رأسمالية الأزمات: خيار التحكُّم بالسيولة

ورد كاسوحة:

طريق تعافي الاقتصادات الرأسمالية من ارتدادات أزمة (كوفيد) لا يزال، على الأرجح، طويلاً. آخر هذه الأزمات هي مشكلة فائض السيولة التي نتجت عن سياسة التيسير الكمّي أو النقدي للبنوك المركزية الكبرى في الولايات المتّحدة وأوربا. رُزم التحفيز الكبرى التي أُقرَّت في هذه الدول، بالاتفاق بين الحكومات والبنوك المركزية، أبقت ليس فقط على عنصر الطلب، بل ساعدت أيضاً في الحفاظ على العناصر الأساسية لعملية الإنتاج، ابتداءً من رأس المال نفسه، إلى قوّة العمل التي احتُفظ بها لحين معاودة تشغيل خطوط الإنتاج التي تعطّلت مع أزمة الفيروس، وصولاً إلى المنتجات والسلع، التي طرأت عليها تغييرات كثيرة بحكم تغيُّر عامل الطلب، وخروج خطوط إنتاج بأكملها عن العمل.

 

تغذية التضخّم لتعويض فاقد الإنتاج

الركود الذي تسبّبت به أزمة تقييد حركة التجارة الدولية، لجهة تنقّل اليد العاملة والسلع والخدمات، اقتضى ضخّ هذه الكميّات من النقود، لتعويض الفاقد من الناتج الإجمالي العالمي، عبر الاقتصادات المحلّية داخل كلّ دولة، على اعتبار أنّ الشلل قد أصاب سلاسل الإمداد، التي اتخذت مع العولمة طابعاً (كوكبياً). المعالجة نقديّاً هنا، تطلّبت كالعادة في أزمات مماثلة، إيصال التضخّم المدعوم بالسيولة غير الناجمة عن عمل أو إنتاج إلى حدٍّ معيّن، بحيث يستمرّ الطلب، داخل كلّ دولة، حتى على السلع والخدمات التي تراجعت الحاجة إليها، مع تعطّل حركة النقل والسفر. (الطفرة) التي حدثت في الطلب في الدول الرأسمالية، لم تقتصر بهذا المعنى على الحاجات الأساسية، مثلما يحصل هنا، حين ينهار اقتصاد هذه الدولة النامية أو تلك، لأنّ السيولة التي ضُخّت هذه المرّة، لم تقتصر على البنوك، أو حتى على الشركات المتوسطة والصغيرة، بل تعدَّتهما إلى الأفراد أنفسهم، وهو ما جعل عامل التضخّم ينمو أكثر من المعتاد في أزمات كهذه. هذا انعكس أيضاً على قطّاعات تعتبر أساسية هناك، فشهدنا أزمة ارتفاع أسعار الغاز في أوربا، وقبلها النفط التي لم تنتهِ إلا مؤخّراً، وبتدخّل مباشر من الولايات المتحدة نفسها.

 

التداخل بين الأزمات الاقتصادية

على أنّ الترابط بين التضخّم الحاصل هناك وأزمة أسعار النفط والغاز ليس مباشراً، على اعتبار أنّ محدّدات الإنتاج بين القطاعين السلعي والطاقوي ليست هي نفسها. فأسعار النفط ومشتقّاته، وإن كانت محكومة بعامل الطلب نفسه، وخصوصاً في الدول الرأسمالية، إلّا أنها تُبدي عادةً تجاوباً أقلّ، حين يتعلّق الأمر بأزمة قطاعية، مثل أزمة الركود وحالياً التضخُّم في الغرب. الترابط قائم طبعاً، عبر تراجع الطلب على الوقود في كلّ أنحاء العالم، ولكن ليس بالطريقة التي تحصل في الغرب، بدليل عدم تجاوب السوق النفطية مع مبادرة بايدن للسحب من الاحتياطات الاستراتيجية النفطية للولايات المتحدة، إلا بعد اندلاع أزمة المتغيّر (أوميكرون)، وتسبُّبه بهبوط الأسعار بأكثر من عشرة دولارات للبرميل. أسعار البنزين المرتفعة تسبّبت بأزمة لإدارة بايدن، بالتزامن مع أزمة فائض السيولة هناك، ولكن معالجتها بالضغط على مجموعة (أوبك بلاس) لزيادة الإنتاج، بغية خفض الأسعار، لم تبدُ مرتبطة بأزمة أسعار الطاقة نفسها، قدر ارتباطها بعامل التضخّم داخل الولايات المتّحدة والغرب عموماً. الربط بين الأمرين تجاهَلَ تأثير عامل الطلب داخل الولايات المتحدة على البنزين، والذي لم يتأثّر كثيراً بأزمة الإغلاق عبر العالم، كون المركّبات الأكثر استهلاكاً للبنزين هناك هي السيارت، والتي تعدّ بفعل طبيعة الاقتصاد الأمريكي، وسيلة النقل الأكثر شيوعاً، حتى لدى الطبقات الوسطى والدنيا. الاستمرار بالإنفاق على البنزين بالوتيرة نفسها، هو بمثابة ترف في ظلّ أزمات اقتصادية كبرى كهذه، ولكن ليس في الولايات المتحدة، ولا حين تكون السيولة متاحة، لتنفيذ سياسة نقدية تتطلّب وصول التضخّم إلى نسبة معينة، قبل معاودة خفضه، حين يبدأ بالتأثير على خطة التعافي الاقتصادي، الموضوعة من جانب البنوك المركزية الكبرى.

 

منطق ضخّ السيولة وسحبها

التداخل بين الأزمات الاقتصادية بهذه الطريقة، يجعل من السهل، ليس فقط خلط الأمور ببعضها، بل أيضاً تفسير الأسباب بالنتائج، لا العكس. فحين اكتُشف المتحوّر الجديد (أوميكرون)، و(انهارت) مع اكتشافه أسعار النفط والبورصات ومؤشّرات الأسهم، جزئياً، فُسِّر الأمر على أنه ردّة فعل من الأسواق على معاودة الإقفال وتعليق حركة التجارة الدولية مجدّداً. ومع أنّ ثمة صحّة في ذلك، لأن هذه هي الآلية التي تتجاوب فيها الأسواق مع تدخّل الدول في حركة الرساميل والسلع والأفراد، إلّا أنها، في الحقيقة محضُ نتيجة، على اعتبار أنّ الأزمة الاقتصادية التي تسبَّب بها الفيروس، هي ايضاً، نتيجة وليست سبباً. والحال أنّ السبب الفعلي يكمن في الآلية التي تضعها الرأسمالية دورياً، لتفادي أزماتها المستمرّة، والتي تعمل بمنطق متكرّر، فما إن تنتهي أزمة حتى تبدأ أخرى، كنتيجة لسابقتها، كون الرأسمالية ليست نظاماً لإنتاج الحلول، وإنما لافتعال الأزمات، باستمرار. بهذا المعنى خُلِقَت الأزمة هنا، حين تقرَّرَ العمل بمبدأ تحفيز التضخّم، عبر ضخّ السيولة، بمليارات الدولارات، للإبقاء على الطلب، ومعه شكلياً، قوّة العمل وهياكل الإنتاج. الإنفاق بهذه الطريقة، ومن دون حساب، لا يجري لمصلحة أيٍّ من عناصر الإنتاج الأخرى، غير رأس المال، لأنّ هذه السيولة التي أَنشَأَت شركاتٍ وأبقت على أخرى، سَتُسحَب لاحقاً، للأسباب نفسها التي ضُخَّت من أجلها، وهي تحفيز النموّ، وعدم كبحه، لا بالركود حين بدأت الأزمة، ولا بالتضخّم حين (تنتهي) الآن. التعامل مع الأمر بهذا المنطق يسهّل فهم، ليس فقط أزمة التضخّم الحالية، بل مجمل الأزمات الأخرى المرتبطة بها، والتي تبدو، وكأنها تعمل بمعزل عن السياسة النقدية التي تقرِّرها البنوك المركزية الكبرى، بالتنسيق مع الحكومات الرأسمالية.

 

خاتمة

التنبّؤ بما سيحدث لاحقاً، ليس سهلاً، لأنّ الأزمة هذه المرّة تبدو أعمق، وهي لا تقتصر على الاقتصاد والوظائف وقوى العمل وهياكل الإنتاج، بل ترتبط بنظام الحياة عموماً، وخصوصاً في الغرب. التقييد المستمرّ لنظم الحياة السابقة هناك، بما فيها نظام الإنتاج نفسه، ومعه قوى العمل (القديمة)، يخلق ردودَ فعلٍ عكسية على إجراءات الحكومات، ويصعِّب على الدول الرأسمالية المضيَّ قدماً بسياسة تفكيك الهيكل القديم للإنتاج، لمصلحة الهياكل الجديدة التي تُوضَع بالتنسيق مع البنوك المركزية، في الولايات المتحدة وأوربا. حالياً، يقتصر الاحتجاج على إجراءات التقييد، ومعها فرض إلزامية التطعيم، أو ربطه بنظام الإنتاج والعمل، لكن ذلك يحدث في ظلّ توافر سيولة كبيرة في الأسواق، على اعتبار أنّ سياسة التحفيز النقدي لا تزال قائمة في معظم الدول التي وقعت فيها الأزمة. وهو ما يضع الاعتراض في سياق غير سياقه الفعلي، لأنّ المشكلة ستنشأ، لاحقاً، حين تُسحَب السيولة من الأسواق، مع معاودة رفع أسعار الفائدة، بعد تصفيرها لمدة سنتين تقريباً. وبالتالي تبدأ الحكومات، هناك، ليس فقط باتباع سياسات معاكِسة نقدياً، بل أيضاً، باعتبار ما دُفِع، بمثابة، (ديون على الأفراد والشركات)، وحتى على الحكومات نفسها، لمصلحة المصارف والبنوك المركزية، يتعيَّن تسديدها، إما مباشرةً، أو عبر إملاء سياسات تقشّف واسعة النطاق، مجدداً.

(الأخبار)

العدد 993 - 19/01/2022