إعادة بناء الإنسان حجر الأساس في إعادة بناء المجتمع والدولة

إيمان أحمد ونوس:

(الإنسان في المجتمع الثالث، هل هو إمكانية تجب العناية بها، أم أنه مجرد فرد عليه إيجاد سبب بقائه؟)،

سؤال قرأته ودفعني للتساؤل عن ماهية الإنسانية ووضع الإنسان في مجتمعاتنا العربية التي تقوم مختلف أنظمتها الدينية والسياسية والاجتماعية على تهميش هذا الإنسان عبر ما يُفرض عليه من قيم وقوانين توجب عليه الالتزام الكليّ بها وإلاّ تمّ تصنيفه ناشزاً أو معارضاً يجب لجمه والتصدي لأفكاره الخارجة عن السائد والمعهود أو المألوف الذي درجت عليه مجتمعاتنا. منذ قرون خلت كانت كل محاولة لخرق هذا المألوف وما زالت تواجه بالنفي أو الاعتقال أو القتل، وهذا ما أسّس لمجتمعات خاملة، تابعة وطفيلية، تعيش وتقتات على فتات حضارة الآخر المُتّهم بالإلحاد والانحلال الأخلاقي من قبل قادة هذه المجتمعات، إذ لم يتمّ مطلقاً العمل على تأهيل الإنسان وبناء كيانه بناءً يتوافق وإنسانيته التي تفترض تلبية احتياجاته النفسية والفكرية وحتى احتياجاته الجسدية من طعام وشراب ولباس ومأوى، فبقيت في الحدود الدنيا رغم ما تمتلكه بلداننا من ثروات جعلتها قبلة أنظار ومطامع دول الغرب.

لقد قامت السياسات والبرامج الحكومية المُتّبعة منذ عقود وعقود طويلة على شعارات وطنية طنّانة استهلكت كل إمكانية لتطوير الإنسان والبلاد بذرائع تحريرها من رجس الاحتلال الطامع بالتمدّد أكثر وأكثر، في الوقت الذي لم تعمل فيه تلك الحكومات على بناء قدرات هذا الإنسان وتأهيله للمواجهة الحقيقية التي طرحتها تلك الشعارات يوماً، بل عمدت إلى المزيد من التخلّف والتبعية عبر برامج تنمية بشرية واقتصادية هزيلة لم ترتقِ يوماً بالاقتصاد المحلي لمستويات تعمل حقيقة على النهوض بالمجتمع والدولة، إضافة إلى تدني مستويات مناهج التعليم ومخرجاته التي ما زالت تراوح في مكانها رغم التطور الحاصل على مختلف العلوم والمعارف العالمية والتي لم تتوافق يوماً واحتياجات سوق العمل، وهذا ما أبقى الإنسان مغلولاً بنير الفقر والبطالة والجهل ومختلف الأمراض النفسية والاجتماعية التي قادت كلها بشكل مباشر وغير مباشر إلى نشوب نزاعات وحروب التهمت نيرانها مقوّمات الإنسانية والحياة، وهذا ما عاشته سورية والسوريون عموماً منذ أكثر من عشر سنوات وما زالت مستمرة حتى اليوم لكن بنيران الفساد والإهمال والنهب والطمع والخراب الذي حلّ بالنفوس فكان أكثر هولاً ودماراً من نيران أسلحة الحرب التي هجّرت وشرّدت الآلاف من أولئك الذين باتوا غرباء في بلدهم أكثر من غربة من لاذوا ببلدانٍ أخرى، وهنا أستذكر حيدر حيدر في روايته (غسق الآلهة) حين يقول: ( نحن غرباء في هذا العالم، غرباء فزعون، نعيش حياة محاصرة ومهدّدة لكأننا لصوص مُتهمون بذنبٍ لم نرتكبه، في أية لحظة هناك اتهام ما جاهز لتنفيذ حكم مؤجّل). ولمّا كان هذا هو حالنا، فكيف يمكننا النهوض من قاع قهرنا وخوفنا وفزعنا؟ كيف يمكننا البراءة من ذنوب لم نرتكبها والخلاص من أحكام جائرة لا نستحقها؟ كيف يمكننا إعادة بناء ما دمّرته الحرب في الوقت الذي نستجدي فيه لقمة عيشنا وملاذاً يأوينا بعد أن تهدّمت منازلنا التي بات غالبيتها مُحرّماً علينا؟ كيف يمكننا العيش ولا مجال لعمل شريف يقينا ذلّ الجوع والسؤال؟ كيف يمكننا العودة لإنسانيتنا المفقودة والمهدورة منذ عقود على أعتاب الفساد والنهب والخذلان؟ لا شكّ أن إنساناً يفتقد لكل مقوّمات إنسانيته غير قادر على فعل أيّ شيء مهما كان بسيطاً.. فكيف بإعادة إعمار وبناء المؤسّسات والدولة التي تحتاج إلى جهود أناس مخلصين وموفوري الكرامة بكل معانيها المادية والمعنوية؟

إن بناء الإنسان اليوم أهم وأكثر إلحاحاً من بناء المؤسسات أو موازياً لها بالأهمية والضرورة، لأنه حين يوجد الإنسان المُشبع بمختلف احتياجاته، الإنسان الذي تُحترم إنسانيته أولاً وقبل كل شيء، فيحترم الآخر بالقدر الذي يحترم فيه ذاته، هنا فقط يكون بناء المؤسسات جيداً، متيناً يقودنا بالتأكيد لسيادة القانون وصيانة الدستور. فإلى أي مدى يمكننا (أفراداً ومؤسسات ذات صلة) العمل على إعادة ترميم وبناء الإنسان السوري الذي قهرته الحرب وبعثرته تبعاتها في كل اتجاه ومنحدر؟!!

العدد 987 - 30/11/2021