ترميم الأرواح.. الديمقراطية أيضاً وأيضاً

حسين خليفة:

هل كان الإنسان السوري، وحتى العربي، سويّاً على المستوى النفسي والقيمي والروحي، قبل ما اصطُلح على تسميته بـ(الربيع العربي)، ثم جاءت رياح الثورات والانتفاضات والحروب فحطّمت بناءه النفسي والروحي؟!

أدّعي أنّ إنساننا دخل مرحلة الغيبوبة الفكرية والسياسية وخلل التوازن الروحي مع هبوب رياح الانقلابات العسكرية المُحمّلة بشعارات كبرى، سرعان ما تبيّن أنها لم تكن سوى أدوات للقفز إلى السلطة والتمترس فيها مع سلسلة هزائم متتالية على الصعد كافة، الداخلية والخارجية، السياسة والاقتصاد والثقافة وحتى الرياضة، مع تعميم الخوف وإلغاء الحياة السياسية والمجتمع المدني، وطغيان مظاهر عسكرة المجتمع.

هذا الأمر دفع بالمواطن إلى الانكفاء على نفسه والاكتفاء بالحلول الفردية لمشكلاته، والنأي بالنفس عن أي شأن مجتمعي درءاً للأذى الذي يمكن أن يلحق به بسبب تدخّله فيما (لا يعنيه) كما راج في العقود الأخيرة لدى الإشارة إلى أي حديث أو مبادرة تحمل طابع البحث عن حلول جماعية، وأي محاولة للتغريد خارج القطيع المُدجَّن.

من هنا بدأ التدمير الروحي، فيما تأخّر الخراب العمراني حتى انفجار المرجل الذي مهما بلغ من الصلابة والقوة فلا بدَّ أن ينفجر مع استمرار الضغط، وكما قال الماغوط العظيم فإن الطغاة كالأرقام القياسية لا بدَّ أن تتحطم يوماً.

من هنا فإن أي حديث عن إعادة بناء الإنسان بمعزل عن إطلاق الحريات الفردية والجماعية للمواطنين والقوى والأحزاب والحركات والنقابات والصحافة، هو بناء في الهواء لن يستطيع الصمود سوى في لحظات قوله.

نتذكر كلنا الحديث الذي راج وانتشر بعد عام 2000 عن الإصلاح والتحديث والتطوير، واستنفرت أجهزة الإعلام ومراكز الأبحاث والمنتديات للحوار حول الإصلاح وضروراته وخطوات البدء به، وكان هناك شبه إجماع من المفكرين والباحثين المتحررين من أغلال الخوف والإيديولوجيات الجامدة على أن أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي لن يتسنى له الانطلاق إلّا بعد إنجاز الإصلاح السياسي أو البدء به فعلياً على الأقل باتجاه إعادة المجتمع إلى الفعل السياسي.

طبعاً لم تمضِ سنوات على الحراك الفكري والسياسي والثقافي الذي شهدته البلاد حتى عدنا إلى نقطة البداية مرة أخرى، وأُغلق باب الحوار، فدخلت البلاد في غيبوبة فكرية تحت غطاء من الانفتاح الاقتصادي وإطلاق قوى السوق من عقالها لتخلق استقراراً اقتصادياً نسبياً وهشّاً.

ظنَّ الواهمون أنهم بذلك سيقفزون على استحقاقات الإصلاح السياسي وإطلاق الحريات الدستورية وفق دستور جديد يلغي التفرّد والهيمنة، ويُعيد بناء المؤسسات الدستورية على أسس ديمقراطية تعددية تتيح تداول السلطة والمحاسبة.

ثم جاءت تحركات (الربيع العربي) التي شملت أكثر من بلد عربي، وتفاوت نجاحها من بلد إلى آخر، لكن أسوأ نموذج تمخض عنه هذا (الربيع) كان في سورية، فقد تحوّل فيها إلى حرب عمياء ضروس طحنت الإنسان والعمران وما زالت.

إنّ بناء الإنسان الذي دمّرته عقود الاستلاب والاستبداد ثم الحرب أهمُّ بما لا يقاس من إعادة بناء العمران، بل هو شرط لازم لنجاح العمران، وأيُّ هروب من معالجة هذه المشكلة هو تأسيس لخراب قادم لا محالة.

ولن نتمكّن من ترميم أرواحنا إلّا بالبداية الصحيحة: دستور يطلق العنان لقوى المجتمع والأفراد للتعبير عن نفسها، والتمثيل في المؤسسات الدستورية والتنفيذية، وآلية محاسبة دائمة لمكافحة الفساد وهدر المال العام تطول جميع مستويات الإدارة لا الحلقات الدنيا فيها فقط كما هو حاصل.

وكل محاولة للبحث عن إعادة بناء الفرد المُحطّم نتيجة سنوات الاستبداد الطويلة والحرب المُدمّرة خارج هذه البديهية هي حصد للريح، مهما تلطى المُنظّرون له خلف نظريات علم النفس والطاقة الإيجابية وغيرها من المصطلحات الرمادية التي تصلح لتنويم الأطفال بقصص خيالية ريثما يعود الصباح، فيضيء على واقع مختلف لا جديد فيه.

العدد 987 - 30/11/2021