نقطة البداية في المجتمع

وعد حسون نصر:

الإنسان هو نقطة البداية لصناعة مجتمع متكامل، الكائن الذي وُهِبَ العقل ليكون دليله والذي تميّز به عن سائر الكائنات، لذا كانت الانطلاقة منه لبناء مجتمع إنساني متكامل بإنسانيته، وكما قيل: (إذا أردت أن تزرع لسنة فازرع قمحاً، وإذا أردت أن تزرع لعشر سنوات فازرع شجرةً، أما إذا أردت أن تزرع لمئة سنة فازرع إنساناً). نعود لنؤكّد أن الإنسان نقطة الأساس واللبنة الأولى والغرسة الأولى، فماذا حلّ بالإنسان في مجتمعنا العربي وخاصةً السوري بعد حقبة من الحروب تتالت عليه، دمّرته من الداخل قبل أن تدمّر جدران منزله؟ هل بقيت سلوكياته ذاتها؟ هل حافظ على إنسانيته؟ لا أظن، فمن شاهد أشلاء أبناء جنسه متناثرة حوله لا يمكن أن يبقى ثابتاً متماسكاً، ومن دُمِّرَ منزله فوق رأسه ورؤوس عائلته لا يمكن أن ينسى ركامه ليعود من جديد بذاكرته المزهرة فوق الركام، ومن شُرّدَ وهُجِّرَ وافترش الشوارع والأرصفة والحدائق لا يمكن أن يبقى إنساناً حالماً، من مات أحد أفراد أسرته وهو بعيد ولم يتمكّن من إلقاء النظرة الأخيرة عليه لوداعه لا يستطيع أن يكون متسامحاً وغفوراً رحيماً. من كان صغيراً وكبر على وقع الحرب سوف تبقى نيرانها كابوس أحلامه، ومن كان يافعاً وشبَّ على صوت قذائفها ستكون أصواتها المرعبة موسيقا وحدته الموحشة، هذه الذاكرة الممتلئة بالقهر لسنوات حرب دامية لا يمكن أن تعود إلى صفحتها البيضاء إلّا بإعادة بناء إنسانيتنا جميعاً من جديد، من خلال السيطرة على العنف المُتجسّد بداخلنا والواضح في تصرفاتنا، في نبرة صوتنا، وفي حركة يدنا المتجهة للضرب مجرّد تفوه أمامنا طفل أو كبير. وطبعاً هنا لابدّ أن يكون الدور الأكبر للمؤسسات التربوية والاجتماعية والإنسانية وحتى الثقافية، وكل من لم تمر عليه عجلات الحرب بقسوتها أكثر من غيره، مع العلم أننا جميعنا دعستنا عجلات الحرب إن لم يكن بشكل مباشر كانت آثارها أقوى من ألم عجلاتها، لذا علينا جميعنا أن ننهض بإنسانيتنا أفراداً ومؤسسات لنعيد ترميم الإنسان فينا من جديد، ولا ننسى الطفل لأن ذاكرته يمكن أن تُعيد إقلاعها بأية لحظة وتسترجع صوراً مدفونة، فلماذا لا نجعل من صور ذاكرته إشراقة جديدة ملونة بلون ربيع أحلامه؟! ولتكن المدرسة لهذا الطفل بعد الأسرة الانطلاقة الأولى من خلالها ومن خلال كادر المرشدين فيها نعمل على ترميم هذا الطفل وتأهيله وإبعاده عن عنف المجتمع وحتى عن عنف الأسرة، وذلك بالتركيز على حصص الترفيه وكذلك على الأنشطة والمواهب والاهتمامات لعلّها تصرف فكره عن التفكير بالعنف والاهتمام بمعارفه أكثر. أيضاً الإعلام بكل أنواعه المسموعة والمرئية والمقروءة، فهو منبر يصل بأفكاره للمتلقي أينما كان وخاصةً المذياع يليه التلفاز، إذ من خلاله يمكن بث برامج توعية، برامج تبعث في داخلنا عبق الأمل لنعود من جديد. كذلك الإنترنيت وما يحمله من وسائل عديدة للتواصل يمكن استغلالها بنشر الإيجابي لنجعل عالمها الأزرق مزهراً بالحكمة والعبرة والصورة الجميلة وليس فقط لنشر أخبار القتل والدم والأخبار الحزينة. دائماً عليناً جميعاً أن نضع نصب أعيننا أن إنسانيتنا أساس نجاحنا، فداخلنا هو محركنا ومقود اتجاهنا لعالمنا الخارجي، فبقدر ما نكون أصحاء من الداخل نكون وسيمين من الخارج.

الانطلاقة لبناء المجتمع وللتطور العلمي وللإبداع دائماً يجب أن تبدأ من الإنسان، فهو النواة الأولى لكل حضارة، ومن هنا يجب أن تقوم حضارتنا على قوام سليم مُعافى من شوائب القهر، مزهر رغم حرائق الحرب، ولنحقق هذا علينا أن نعيد للكل إنسانيته باستئصال ورم العنف وخبث الذكريات بسبب تراكمات خلّفتها حروب كانت الإنسانية هي الخاسر الوحيد فيها، فدعوا سواتر الحرب تزهر بعد أن كانت فقط دروعاً لتلقي الرصاص، دعوها لقطرات الندى لتزهر إنساناً حرّاً وفاعلاً.

العدد 987 - 30/11/2021