ما بين الصدمة والتذعين

الدكتور سنان علي ديب:

أي وطن هو تفاعل صحيح بين الجغرافيا والشعب، أي ساكنيه، والقوانين المسخرة لخدمة وتحقيق الأمان للوطن والمواطن، وبالتالي هذا الأمان هو معيار صوابية القوانين والسلوك ضمن الجغرافيا، وبالتالي عندما يتعرض الأمن الوطني لخطر فيجب تسخير كل الجهود والطاقات لحمايته وصد الأخطار عنه. وفي كل فلسفات الحياة الكليات هي الأهم، وقد نتغاضى عن جزئيات وقد نغير مرحلياً قوانين وقد نشرعن سلوكيات لم تكن سابقاً مقبولة، وقد نبرّر طرقاً وأساليب لتأمين موارد ومستلزمات من أجل الغاية الأسمى: أمن الوطن، الذي هو عرض وشرف لمن يعرف معنى الانتماء والوطنية، وهو ما لخص الكثير من السلوكيات والتكتيكات والتغاضي والتنازل لاستعادة الأمن وعودة الأمان عبر تلاحم مؤسساتي عسكري ومدني وصمود شعبي تحمّل خلاله أقسى معاناة استمرت لأكثر من عقد من الزمن وسط تبرير للكثير من الأزمات والتعود على ثقافة الطوابير، وفي ظروف مشابهة وأقل منها لبلدان لم تدم شهوراً معدودة وصلت إلى حافة الانهيار والاستسلام والحاجة لإنقاذات وأكسجين لضرورات جيوسياسية. ويعطى شهادة تقدير واحترام وتبارك كل من صلّب المواقف ومتن الصمود وأفشل المؤامرات، وهذه الظروف أعطت مبررات لكثير من السياسات التي كانت مرفوضة، ولكن الوطن وجراحه سهلت السير بها، ولكن بالمقابل الكثير من الثغرات والغايات الشخصية استطاعت الاختراق، والكثير من الأصوات والتصريحات خارج السياق، ولكن الضرورات تبيح المحظورات. ولتثبت سيرورة الأمور صوابية الانتقادات وخروج مؤسسات ووزارات عن الغاية التي أنشئت من أجلها، وأصبحت الشواذ هي الطاغية المسيطرة وأصبح الأمن الاقتصادي والاجتماعي للمواطن آخر الاهتمام، ووجدنا سياسات وقرارات متناقضة ومبررة بأساليب تحوي استغباء وتجهيلاً لعقل المواطن، وكانت وما زالت ما يسمى حماية المستهلك تأخذ الصدارة في ظل تمرير قرارات وفرض أسعار ظاهرها يعاكس نتائجها، من ظاهرة توطين الخبز التي أثمرت مع بعض الثغرات المتعلقة بالكميات للأسرة والهدر ولكنها لم تسورر. وكذلك عدم التدخل الصحيح في الكثير من السلع كما حصل بالنسبة للبطاطا أو التدخل لتسويق سلع بأسعار مسخرة لخدمة محتكرين، وكل ذلك عبر متوالية تبدأ بافتعال أزمات مترافقة مع نمو سوق سوداء وأقلام فيسبوكية ترفع سعر السلعة أضعافاً مضاعفة وسط تصريحات بندرة التوريد لظروف الحرب. ولكن بعد تمرير الأسعار تعود للظهور وفق كميات فائضة أو وسط وعود بتوريدات فائضة، كما نسمع برفع سعر الغاز ومن ثم وعود بتوفيره بنصف المدة التي كانت ليؤمن المواطن حاجته، وكما نسمع بتحرير سعر المازوت والبنزين وتوفيرهما بأسعار أغلى من كل المحيط ولا تتوفر هذه المواد إلا بعد المرور بالمتوالية، وكما سيحصل مع الكثير من المواد. ويبقى السؤال: لماذا لا نسير وفق برنامج واضح؟ ولكن القرارات تأخذ منعكساتها وتأثيراتها على المواطن بحيث لا يتردى وضعه أكثر مما هو.

ما سمي الدعم ورفع الدعم وشفافية الدعم والكثير من الإجراءات المفروضة على العالم ظهر صعوبة تجاوزها ولكن يمكن تهذيبها ويمكن ضمن الإمكانات تقليل سلبياتها، وهو ما كان مفهوماً من اختيار اقتصاد السوق الاجتماعي، الذي المقتل له منع التنافسية وحماية الاحتكار عبر تسهيل الاستيراد وقتل الإنتاج وسحب يد الحكومة عن التحكم بالركائز الاقتصادية، وهو ما وجدناه ونجده ومنه عرض حوالي ٤٠ معملاً أو بقايا للاستثمار الخاص أو المشترك وحتى هنا يمكن أن نهندس الشروط بما يستثمر لحماية الوطن والمواطن وأمنيهما، ولكن الموضوع تجاوز المنحى الاقتصادي محاولاً تقويض فاعلية أغلب المؤسسات عبر دعوى التخصص، وهو ما لا تسير به حتى أقوى البلدان وأكثرها مدعاة للتطور والديمقراطية، وكلنا وجد في أزمة البنزين في بريطانيا والاستعانة بالجيش.

من المؤكد عندما تعجز المؤسسات المنوط بها المسؤولية تسند المهام لمن يقدم الخدمة، وهو ما وجدناه في الحرب الطاحنة في مواجهة مضاربات سعر الصرف وفي تنظيم فوضى الطوابير، ولكن البعض تأذى وانزعج، وحاولوا الضبط عبر القوانين ومنها المرسومان ٣ و٤ النائمان والمرسوم ٨ الذي أصبح أداة للتهديد وهو ما وجدناه بعد رفع سعر المازوت الضناعي إلى ١٧٠٠ ليرة بعد مناشدات وبكاء وليكون التبرير إنهم يستجرونه من السوق السوداء بـ ٣٠٠٠ و٤٠٠٠ ورفعه سوف يخفض الأسعار وتتتالى البواخر، ولكن الأسعار ترتفع بحجج المسؤولين إنهم كانوا يسعرون على أساس ٦٧٥، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت! ونسمع أصواتاً تطالب بإقليمية لوضع الأسعار ومسؤول يهدد بالمرسوم ٨ وهو المفاجئ لماذا أقر المرسوم ما دام لا ينفذ وأصبح عصاة يهدد به.

المهم إن كانت القرارات مفروضة ولم يعد هناك كوابح معترضة أو مهذبة أو معقلنة كاحزاب وتنظيمات وجمعيات وكل يبحث عن تمرير قراراته ورفع أسعاره، وطالما نصحنا إن المثلث سعر عادل بين المواطن والتاجر والمنتج، وبالتالي للوطن، فالأهم قراءة انعكاساتها والسير بحماية لأمن المواطن عبر شفافية الدعم وعبر زيادة القدرة الشرائية، التي أصبح بعض التجار يصرخون: ليس العطل بأسعارنا وإنما بضعف القدرة الشرائية.

بعد رفع الدعم أو شفافيته أو إيصاله لمن يستحقه وبانتظار القرارات القادمة المتعلقة بالخدمات والسلع أصبحت اللوحة واضحة وبحاجة للمسات وقلنا سابقاً الهندرة أو الهندسة الاقتصادية أو النحت لاستكمال أمن الوطن والمواطن، ولكن الإدارة بالتنقيط بعد التجريب تجعل المواطن في ضياع وتزيد الفاقة والمعاناة وتعرقل الاستفاقة والعودة القوية.

حتى أقل واجبات المسؤولين أصبح يتباهى بها وتتصدر الإعلام الذي يحابيهم وليس حيادياً ولا يمارس دوره لتكريس الثقة وتقويتها بين المواطن والمسؤول، وتتصدر أخبار صفحات التواصل ويمرر من خلالها ما هو مفيد وخادم وما هو مدسوس.

من دون اكتمال اللوحة وشفافية القرار لا عودة للثقة..

من أجل أمن المواطن والمواطن انتقلنا وغيرنا من المثالية إلى الواقعية، وقبلنا بالترقيع لأسباب حاجوية ولكن الاستهبال والاستغباء لم ولن يمر بأمور صغيرة أمام أمور كبيرة وخطيرة لم يسمع عنها ولم تعد تتصدر لشخوص ثبت برمجتهم وتبعيتهم والبعد عن الوطنية والأصوات القوية والتي قد تكون مدسوسة وقضاياهم لنفس هؤلاء.

الأهم أمن المواطن اقتصادياً واجتماعياً لنحافظ على أمن الوطن.

 

العدد 993 - 19/01/2022