معادلةٌ حتميةٌ.. وإلَّا!

إيناس ونوس:

منذ زمنٍ طويلٍ نتحدَّث ونندِّد ونُشهِّر بما تسمى جرائم الشَّرف، ولمَّا يصل العمل النَّسوي بعد إلى مبتغاه، ولمَّا تتخلَّص الإنسانية بعد ممَّن يدّعون أنَّهم حماة الشَّرف والأخلاق، وهم أبعد ما يكون عنهما، لأنَّ من يرتكب أبشع جريمةٍ بحقِّ الإنسانية جمعاء لا يمكن أن يوصف بالبشريِّ أبداً.

ورغم كلِّ ما جرى العمل عليه سابقاً ولا يزال مستمرَّاً حتى اليوم بخصوص تجريم هذا الفعل، إلَّا أنَّنا لا نزال يومياً أمام العديد من الحالات التي يندى لها جبين البشرية على مرِّ التَّاريخ، ضحاياها طفلاتٌ أو نساءٌ لا ذنب لهنَّ بشيء سوى أنهنَّ إمَّا وثقن بمن كنَّ يرون فيه الرُّجولة وتخلَّى عنهنَّ بكلِّ سهولةٍ، ليتركهنَّ في مهبِّ ريح جنون ذكور قبيلتهن، أو أنهنَّ تحوَّلن إلى ضحيةٍ بسبب قالٍ وقيل، أو مجرَّد شبهاتٍ وظنون واهيةٍ تصوَّرها عقلٌ مريضٌ لا يفهم من الشَّرف شيئاً البتَّة.

لا أريد أن أكرِّر كلَّ ما سبق وأن قلناه، ولا أرغب بتعداد حالاتٍ نسمع عنها يومياً، وإنَّما أتساءل:

من يمتلك الحقَّ في أن يحاسب آخر بالقضاء على حياته واعتباره وكأنَّه لم يكن موجوداً في لحظةٍ واحدة؟

من يقتنع أنَّ أمَّاً تغلغلت في حناياها عواطف الأمومة الحقَّة يمكن لها أن تكون مساهماً في قتل ابنتها التي هي أيضاً بعضٌ من قلبها وروحها وجسدها مثلها مثل الذَّكر؟

ومن يشكُّ بأنَّ من يقوم يمثل هذا الفعل الشَّنيع ليس إلَّا مريضاً نفسياً ومختلَّاً عقلياً؟؟

وإذ أذكر المرض النَّفسي هنا فلست أعبِّر عنه من المنطلق ذاته الذي يبرِّر فيه الغالبية القيام بهذه الجرائم لتخفيف العقاب الذي يجب أن يتلقَّاه ذاك المريض، لا، على العكس تماماً، فأنا أعني هنا أنَّ هذا الشَّخص لا بدَّ أنَّه مريضٌ بمرضٍ نفسيٍّ اسمه الجنس، يعيش حياته كلَّها اعتماداً عليه فقط، فلا يدرك أنَّ في الحياة جوانب عدَّة أهمُّ بكثيرٍ منه، وبالتالي فهو مريضٌ لا محالة، وأعراض مرضه هذا تنعكس عليه من خلال تصرُّفاته وأفكاره، كما أنَّها تنعكس على الآخرين المحيطين به أيضاً ولاسيما النِّساء الواقعات تحت جلبابه، واللواتي بالضَّرورة هنَّ ضحاياه الأوائل.

والتَّساؤل الأكبر الذي أرغب بطرحه على هؤلاء المرضى: ما دمتم تعتبرون أنَّ الشَّرف مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بالمرأة، فلماذا لا تعترفون بها شريفةً عفيفةً محترمةً ذات أخلاقٍ رفيعةٍ عندما تقوم بأعمالٍ تمتنعون عنها أنتم؟ أو عندما تقوم باحتضان أولادها في الوقت الذي تتخلُّون عنهم فيه تلبيةً لغاياتكم الخاصَّة؟ أو حينما تقوم برعاية أبويكم حين تتركونهم وشأنهم في مهبِّ رياح الحياة تتقاذفهم هنا وهناك؟

مدركةٌ كلَّ الإدراك أنَّ هذا التَّساؤل لم ولن يخطر في بالكم، ولذلك فإنَّنا لن نتخلَّص من تلك الجرائم المهينة إن لم نتمكَّن من القضاء على هذا التَّفكير المريض، فما دام تفكيرنا محصوراً بجعل الأنثى (امرأةً كانت أم فتاةً) هي المجسِّد الوحيد لمفهوم الشَّرف والأخلاق سنبقى نسمع بالمزيد والمزيد من تلك الانتهاكات، وإن لم يقتنع المجتمع برمَّته والذُّكور أوَّلاً بأنَّهم أيضاً معيارٌ للشَّرف مثلها تماماً، وأن للمرأة الحقَّ بأن تعيش حياتها كيفما تشاء كما هم يعيشون على حدٍّ سواء، والأهمُّ الاقتناع الصَّادق والحقيقيّ بأن مفهوم الشَّرف مفهومٌ له معانٍ عديدةٌ لا يمكن اختزالها جميعها في منطقةٍ واحدةٍ من جسد الأنثى فقط. إن تمكنَّا من الوصول إلى هذه الحال، حينئذٍ ستصبح تلك الجرائم اللَّعينة في مزبلة التَّاريخ، وسنصبح شعباً يُعمل عقله بشكلٍ صحيحٍ، ونغدو مجتمعاً قوياً قائماً على التَّكامل الصَّحيح بين جميع مكوِّناته.

العدد 987 - 30/11/2021