المسنّون في سورية.. واقعٌ وهموم

يارا بالي:

لم تقتصر ويلات الحرب السورية على فئة دون أخرى، وإنما كان للكل نصيب من الأذى، والكل دفع الفاتورة ولكن حسب طاقته، ومكانه ومكانته.. هي حربٌ فتكت، شرّدت، ظلمت، وهجّرت.. وبالمختصر جوّعت الملايين.. جوع مادي شمل اللقمة، وتأمين أبسط مقومات الحياة، لنصل إلى الجوع النفسي، والقهر اليومي الناتج من مخلّفات الحرب، وفتكها بالإنسان السوري في أعمق ما يملك، وأعمق ما يشعر.. وللأسف دائماً يقع الضرر الأكبر على أضعف فئات المجتمع، تلك التي لا تملك حولاً ولا قوة لتواجه كمّ القهر المنهال عليها في كل موقف يمرّ، ومع كل أزمة صغرت أم كبرت، والتي في الغالب تعتمد على غيرها لتكمل يومها، وتواجه ضعفها.

والمُسنّ هو أكثر من تقع عليه المشقّات، وهو أكثر الفئات المجتمعية حاجةً للعون، على جميع الأصعدة الصحية والنفسية… إلخ، فما واقع المُسنّين في سورية؟ وما المشكلات التي يعانون منها؟ وهل هم في وضع يليق بما قدموه من عطاء وخبرات؟ وما واجبات الدولة والأسرة تجاههم؟

تتصدّر المشكلات الصحية عند كبار السن قائمة الهموم، فمع كل يوم يمر من عمر الإنسان، تتراجع فيه قوته الجسدية وتضعف مناعته في مواجهة الأمراض بشكل عام، فتزيد حاجته للرعاية الصحية والبيئة الداعمة له، ولكل ما من شأنه أن يزيد من مقاومته للمرض ويرفع معنوياته، وهنا لعبت الحرب والحصار الاقتصادي الناتج عنها، دوراً كبيراً، ساهم في تفاقم الوضع الصحي لأعدادٍ كبيرة من العجزة أصحاب الأمراض المزمنة خاصة؛ بسبب انقطاع الأدوية النوعية وغلائها الفاحش إن وجدت.. رافق هذا الانقطاع غلاء جنوني في أجور الأطباء وأسعار الدواء عامة.. ممّا انعكس خراباً صحياً ونفسياً على المُسنيّن وذويهم. ولم تقف انعكاسات الحرب على هذا الحدّ وإنما امتدت جذورها إلى حال الهجرة الحاصلة في صفوف الشباب، فقد دفعهم الوضع الاقتصادي الصعب في بلدهم للسفر خارجها وترك أبويهم وهما في أمسّ الحاجة لهم، فمع هذا البعاد فقدوا السند المعنوي القريب لأرواحهم، وفارقوا الداعم الأول لهم، وسط ظروف لا تعرف الرحمة لها باباً، فقد أصبح الأبوان المُسنّان وحيدين بلا معين لهم يساندهم في تأمين أبسط حاجاتهم الأساسية اليومية، وغدا مشهد كبار السن المنتظرين على طابور الفرن لتأمين الخبز.. مألوفاً، ومشهد الجدّات الحانيات في أسواق الخضرة، وهن يحملن الأكياس والأوزان أيضاً مألوفاً، وسط تهالك في القيم المجتمعية بسبب الضعف، والتعب الذي أكل من الأنفاس الكل، ولم يترك منها سوى التنهيد. كما يعاني كبار السن من مشاكل نفسية، ومالية اقتصادية، وشعور بالافتقار إلى الأمان والمكانة الاجتماعية، كما يواجهون إحساساً بالتهميش الاجتماعي، والعزلة، وفقدان التمتّع بالحياة، ولا شك أن على الأسرة والدولة والمجتمع المدني مسؤولية في مواجهة تلك الأوضاع، بحكم الدين والأخلاق، واحترام حقوق الإنسان، ومراعاة مبدأ المساواة والعدالة. ومن أجل تلك الاعتبارات فإن هناك حاجة ملحّة لإصدار قانون يقرّر حقوق المُسنيّن، ويعمل على مواجهة ما يعانونه من مشكلات سالفة الذكر.

وهنا يطرح السؤال نفسه.. أين دور الرعاية من هذه المشكلات؟ وما حال الواقع الخدمي في هذه الدور؟ بيّنت مديرة الخدمات الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، هنادي خيمي، أن عدد دور المسنين المُفعّلة حالياً 20 داراً تتم إدارتها بالتعاون مع المجتمع الأهلي، إضافة إلى دارين حكوميتين، الأولى دار الكرامة لرعاية المسنين والعجزة بدمشق وهي دار حكومية تتبع إلى محافظة دمشق، ومبرة الأوقاف بحلب لرعاية المسنين. وأشارت خيمي بحسب تصريح نقلته صحيفة الوطن، إلى أن الوزارة تشرف على عمل مؤسسات الرعاية الاجتماعية للمُسنيّن والعجزة في المحافظات، وتعمل على تنفيذ خطتها السنوية من تقديم الدعم وتأهيل الكوادر وإقامة دورات التوعية، ومتابعة نظام الرصد والإبلاغ للوصول إلى الحالات وإيداعها في دور الرعاية. وأشارت خيمي إلى العمل على تشكيل لجنة بموجب القرار رقم 671 لدراسة وإعداد مشروع صك تشريعي ناظم لدور العجزة والمُسنيّن بحيث يكون ملبياً لاحتياجات ومتطلبات حماية وتمكين هذه الشريحة وفق منهج يركّز على الرعاية النفسية والمشاركة الاجتماعية، ومؤسّسات دور الرعاية، وحماية كبار السن من الإساءة والتعنيف، والإبلاغ من خلال خط ساخن لحمايتهم، ووضع معايير وشروط ترخيص ميسّرة لتأسيس دور رعاية خاصة وأهلية، ووضع أحكام لمعايير ومؤهلات عمل جليس المسن. وبيّنت خيمي أنه تمّ إجراء دراسة واقع كبار السن في دور الرعاية للتعرّف على واقع احتياجاتهم وعلى الواقع المعيشي لهم ضمن أسرهم، وتحديد الثغرات الموجودة في نوعية آليات الحماية القائمة وغيرها من أهداف الدراسة.

هذا الكلام رسمي جداً للوزارة، لكن من يسير في شوارع العاصمة يجد أن الواقع غير ذلك تماماً.

العدد 981 - 20/10/2021