أولادكم أبناء الحياة.. فلتهبوهم هذه الحياة!

إيناس ونوس:

أولادكم ليسوا لكم.. أولادكم أبناء الحياة.. نعم، هم كذلك، أبناء الحياة والشَّمس والتَّجدُّد، أصحاب التَّطوير وإعمال العقل والرَّغبة بالعيش بشراً ذوي مكانةٍ، لهم ما لهم من الحقوق وعليهم ما عليهم من الواجبات، لكنْ.. كلُّ هذا، يتطلَّب منكم أن تهبوهم الحياة، بدل أن تسرقوها منهم وتئدوهم قبل أن يروا النُّور ويستمتعوا بالنَّسيم العليل، فتجبروهم على القيام بما لا يرغبه أيُّ إنسانٍ على وجه الأرض، أن يترك كلَّ شيءٍ خلفه ويرحل مغادراً بيته وأهله وأحبَّاءه، وشوارعَ تقاسمت معه ذكرياتٍ وتفاصيلَ من حياته، ينطلق للعيش في أماكنَ مجهولةٍ كلِّياً له، مع أشخاصَ غرباءَ بلغةٍ غريبةٍ ونمط حياةٍ مختلفٍ وغريبٍ، فقط من أجل أن يحقِّق ذاته ويصل إلى ما يصبو إليه ولم يكن متاحاً له في بلاده!

هذا حال الشَّباب السُّوري في هذه الأيام، هذا الجيل الذي نما وترعرع في ظلِّ حربٍ اغتالت منه طفولته وأحلامه، وانتظر بكلِّ قوَّته إعلان انتهائها، يحدوه الأمل بأنَّ القادم أفضل، ووصل القادم ومعه كلُّ أدوات وآليات القهر والذُّل والمهانة، فبات يلهث خلف أيَّة فرصةٍ للسَّفر والهجرة مخلِّفاً كلَّ شيءٍ دون أيِّما التفاتة، في وقتٍ هو بأمسِّ الحاجة فيه لبلاده بمكوِّناتها جميعها، وبلاده في الوقت ذاته بأمسِّ الحاجة له، لكن بوجود أمراء الحرب والفساد، لم يعد للأمل بقيَّةٌ، وأمسى النَّفق دامساً لا نهاية له، ولم يبقَ إلَّا حقيبةً صغيرةً تحمل في طيَّاتها من الألم والحرقة أكثر ممَّا تحتويه من مستلزماتٍ شخصية، وكلَّما كانت أصغر كلَّما كان الوجع أكبر.

مع كلِّ شخصٍ يغادر اليوم تصعد من القلب شهقةٌ، ويخرج من الرُّوح نفَسٌ، وتفقد البلاد يداً وعقلاً كان من الممكن أن يساعداها على أن تنهض من جديدٍ من تحت الرَّماد لولا تكالب تلك الخفافيش.

مع كلِّ دمعةِ وداعٍ جديدة، ابتسامةُ أملٍ ودعواتٌ لآخر بالرَّحيل، فقد أصبحت الأمَّهات تدعو لأبنائهنَّ بالسَّفر والابتعاد كي تنجوَ بهم، رغم بعادهم، من براثن الموت والقهر والذُّل.

بعد كلِّ ما جرى لك أيَّتها البلاد، أما زال بإمكانك أن تلفظي أبناءك، بدلاً من أن تحتضنيهم وتداعبي خصلات شعرٍ شاب قبل أوانه، أو تزرعي الحلم مرَّةً أخرى في مقلٍ باتت خاويةً من أيِّ بريق، أو تضمِّدي جراحاً غدت ندوباً في الرُّوح أكثر ممَّا هي في الجسد؟؟ أليسوا هم من سيمدُّون لكِ أيديهم لتقفي على قدميك مُجدَّداً، وتنفضي عنك أجنحة خفافيش الموت وسارقي الحياة؟؟

آن الأوان أن يعلو صراخك أيَّتها البلاد الثَّكلى، فليتوقَّف هذا النَّزيف اليومي على المعابر والحدود والمطارات، ولتعيدي أبناءك إليك، لأنَّهم أرواحٌ عاريةٌ بعيداً عنك، ولأنَّك، أنت أيضاً.. لن تتمكَّن شمسك من الإشراق، ولن تغسل أمطارك آثار كلِّ ما جرى، ولن تستطيعي التَّنفس في غيابهم.

العدد 981 - 20/10/2021