نريد سلاماً لا اتفاقيات واهية

ريم داود:

(أخيراً أيها الإخوة افرحوا.. عيشوا بالسلام، وإله المحبة والسلام سيكون معكم).

(يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلام كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين).

منذ أن خلق الله الإنسان سلّطه على طيور السماء وسمك البحر مُميّزاً إياه عن سائر المخلوقات بعقل مدبّر وفكر متقد، وقدرة على التواصل والكلام بهدف التشاور والحوار والنقاش. لم يخلق الله الناس على الأرض ليقتتلوا ويتخاصموا فيما بينهم البتة، بل خلقهم لغاية ورسالة لكل منّا خواتيمها فلا بدّ أن تُتمّم. لكن خللاً في التناغم والتواصل، وتعصباً في التفكير، وطمعاً بالتملك والسيطرة استحوذ على الإنسان ودفعه للقتال والقتل، ومنذ ذلك الحين وهو يسعى جاهداً للوصول إلى سلام مُستدام بين كرٍّ وفرّ دون فائدة مرجوة أو جدوى تُذكر.

تُعرّف ثقافة السلام بأنها ثقافة حوار واحترام، في حين تؤكّد خطة التنمية المستدامة التي تمّ التوافق عليها لعام ٢٠٣٠ أنه لا سبيل لتحقيق التنمية المستدامة دون سلام مستدام، لذا لابدّ من اعتماد منهج جديد وشامل لمعالجة أسباب المشكلات والنزاعات من الجذور، كذلك لابدّ من العمل على تعزيز الحوار والاحترام وسيادة القانون من خلال دعم التعليم، حرية الرأي والتعبير، التربية، التعاون، وثقافة التنوّع والاختلاف.

كما يُعرّف السلام على أنه التحرّر من العنف والحروب، وقدرة الناس على التعايش بعيداً عن النزاعات، وتمكّنهم من حلّ المشكلات والخلافات التي يتعرّضون لها بغية تحسين جودة حياتهم.

 فما هي مظاهر هذا السلام؟

تتعدد مظاهر السلام وتتنوع، لكن الأساسيات فيها لا تحيد ولا تتبدّل، فهي على الشكل التالي:

التعايش الإنساني السليم بمحبة وسلام وود واحترام.

احترام حقوق الآخرين، ونبذ مظاهر العنف والعدوان.

حل النزاعات والخلافات بطرق سلمية بعيداً عن الاقتتال والحروب.

وقد عبّر المؤرخ البريطاني أرنولد تويني عن السلام بعبارته الشهيرة: (عش ودع غيرك يعيش).

ووفقاً لما ذُكر أعلاه نجد أن السلام نعمة للبشرية، في حين تأتي الحروب والنزاعات لعنة ونقمة عليها. لقد أجهدت الحروب والصراعات على مرّ العصور والأزمنة كاهل البشرية كلها حتى غدت تطمح لسلام مُستدام يحقق أحلامها وأمنياتها، ويؤمّن لها حياة رغيدة بعيداً عن الخوف والقلق والتوتر.

  • أهمية السلام: يعيش الإنسان على هذا الكوكب ساعياً نحو استقرار شامل يملأ حياته ويمنَّ عليه بالراحة والطمأنينة بغية تحقيق أهدافه المرجوّة والعيش برخاء وهناء، وفي هذا الصدد نجد الطبيب النفسي(ألفرد أدلر) يؤكّد أهمية الاستقرار النفسي للفرد، الذي لا يمكن أن يتحقّق إلاّ من خلال السلام، فدماغ الإنسان كنز للقوة والفكر والإبداع، وإن فقد الإنسان هذه الطمأنينة وهذا الاستقرار خاصة أوقات الحروب والأزمات، فإنه لن يستفيد من دماغه بالشكل الأمثل ولن يحصل على النتائج المرجوّة من هذا الدماغ، ذلك أن الحروب عقبة وعائق أمام التطور الإنساني والبشري، فالحرب جريمة منظمة وتعذيب ممنهج، جريمة تُقترف بحق المجتمع البشري، فالفرد كائن اجتماعي يتأثّر بالقوى الاجتماعية بشكل كبير، ويمكن أن يعيش حياته بأمان واستقرار إذا ما ارتبط بعلاقات اجتماعية مع الآخرين، إلاّ أن الحروب والنزاعات تحول دون هذه العلاقات ممّا يُسبّب خللاً في الاستقرار والتوازن لديه. ووفقاً للطرح السابق، يتبيّن لنا أن للسلام أهمية كبيرة تتمثّل في الاستقرار والنمو والازدهار الاجتماعي، الاقتصادي، والثقافي، فالعالم المحروم من السلام والقابع تحت نيران الحروب والصراعات يعيش ظروفاً قاسية مجحفة أشبه بالعصور القديمة، عالم مجرد من الإبداع والتخطيط والصناعة والإنتاج، بعيد عن كل مجريات التطور والثقافة والعلم، أي وباختصار عالم مُجرّد من الحياة، على عكس البلدان التي تنعم بالسلام والأمان، حيث نجد الإنسان فيها قد تحرّر من الخوف وكل ما يشعره بالقلق والتوتر، نلاحظ فيها التطور والازدهار شاملاً كل الأصعدة الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، السياسية، والمالية، ما يدفع لحالة من الاستقرار والوئام بين أفراد المجتمع الواحد. وأمام هذا الطرح، لا يسعني سوى أن أتساءل وبحيرة شديدة: ما هو السلام المنشود؟ وما قيمة الحياة لأناس يعيشون في بلدان لا تهدأ حروبها ولا تكفّ؟ ما قيمة الإنسانية والمنظمات العالمية المنشغلة بهذه السمة في بلدان يكون أطفالها وشبّانها وشيوخها يومياً بين جريح، قتيل، أسير، أو مشرّد تائه خائف؟ ما الغاية من اعتماد يوم عالمي للسلام إن كان مفهوم السلام غائباً عن هذه البلدان؟ وهل سنشهد يوماً سلاماً مستداماً وبلداناً مستقرة تنعم بالراحة والطمأنينة؟ أم أن الشقاء كُتب على جبين البؤساء؟
العدد 981 - 20/10/2021