الشباب السوري والثروة المهدورة

الدكتور سنان علي ديب:

الشباب هم عماد أي أمة ومستقبلها، ومن يملك الشباب يملك المستقبل، فهم أهم أدوات التنمية بهم يتكامل المجتمع وعليهم يتكل ويستند ويراهن، فعنفوان الشباب وقوة الرجال وحكمة الشيوخ تصنع لوحة جميلة لا ينقصها شيء، وليس غريباً ولا بعيداً عن بلدنا هذا التكامل في فترة قاد الشباب بعنفوانه وهمّته وعقيدته وطاقات تفوق غيرهم كل مسارات وعمليات التنمية، واستمروا وتابعوا وهيؤوا ما يليهم عبر متوالية لم تنقطع إلا عبر السير عكس المسار قبل الحرب الظالمة، التي يستنتج المتابع أن أهم أهدافها تفريغ البلد من الطاقة الشبابية عبر القتل والتهجير والتفريغ وحرف المسار وعبر الفوضى غير البناءة والقادرة على حرف الهمم والجهود، وهو ما حصل، فملايين الشباب فاقد تنموي وخسارة طاقات عبر فقدان الحياة أو عبر غسل الدماغ، أو عبر زعزعة الانتماء وتحمل المخاطر والصعاب للهجرة أو التهجير.

وأصبحنا أمام معضلة نقص في الطاقات بعد أن وصلنا إلى فوائض زودت أغلب دول العالم بمعارفها وكفاءتها ورفدت البلد بمكملات التنمية والتقدم بعد أن وصلنا إلى مؤشرات متميزة، ولم تكن عملية بناء هؤلاء عبثية في بلد تحاوزت الطبقة الوسطى تسعين بالمئة، فعملية البناء كانت متكاملة وممنهجة، من البناء الصحي عبر توفر الغذاء المتنوع وعبر الصحة الجيدة المجانية، وعبر التعليم بمختلف فروعه واختصاصاته الرافدة لكل أنواع التنمية، وكانت الشهادة العلمية السورية متميزة ومتفوقة، وعبر وجود مؤسسات رافدة لتفريغ الطاقات واستكمال عمليات البناء القيمي والأخلاقي وتوفر المعاهد والأندية ومشجعات تفريغ الطاقات لرفد الفنون والرياضات والبناء الفوقي وسط تنظيم وانتظام وتكاملها مع تأطيرات مهنية وحزبية وغيرها، فصارت عمليات البناء الفوقي والتحتي متماثلة ومتناغمة، والمنظومة الاخلاقية فاعلة وشاملة، وفوجئنا قبل الحرب بسنوات بنوايا وغايات فاجأت الجميع بالتغيير للتغيير وليس كضرورة وحاجة أدت لتهشيم الطبقات وتشويه المؤشرات وخلخلة البنى، فصارت ثغرة اختراق واستثمار أثرت على تنشئة وتهيئة الأجيال وقوضت فرص مواجهة الغزو الثقافي الهادف لضرب التحصينات والممانعات الشبابية، وقلبت المؤشرات وكانت من مسببات الفجوة الخطيرة بالهرم السكاني عبر تقليص فئة الشباب ما بين الموت والهجرة وعبر كمية ونوعية الشباب الذين قضوا فترة دراستهم خلال سنوات الحرب الكارثية المدمرة، وحقق الأعداء خططهم بسلب خيرة الشباب المتعلم والفني لملء فراغ الهرم السكاني واستثمارهم كطاقات منتجة بأمس الحاجة لها، فخسرناهم كطاقات وكموارد بذلنا الغالي والرخيص لتنشئتهم وتهيئتهم، واستمر المسلسل عبر محاولة تيئيس الشباب عبر الخناق والحصار والحرمان من الظروف المناسبة لأدنى مستويات المعيشة وعبر خلق الصعوبات وكأن التهجير غاية وهدف للبعض، فوصلت نسبة من يحاولون الهجرة باي أسلوب إلى أرقام مخيفة وسط الاستمرار بالعقلية نفسها والنهج نفسه في كل المجالات وخاصة الاقتصادي.

ودوما السير باختيار أسهل العلاجات وليس الأقوم وليس الأشمل. فمنذ فترة سُرّبت دراسة إلغاء المنظمات التي عانت من بعض الثغرات والجمود، ولكنها كانت جامعة فاعلة تملك الإمكانات والموارد والأدوات للتعبئة والتحشيد، ولكن بإصلاحات أفقية وعمودية مع تسهيل العمل لمن يرغب ضمن منظومة منضبطة وتوسيع وتشميل دور المنظمات والأحزاب وفق معايير وتقييمات مستمرة منتجة ورافدة للبلد ومفعلة للشباب ودورهم. وكذلك سرب العمل على إنشاء وزارة للشباب والرياضة، وهي حاجة في ظل التخبطات والثغرات والفساد الذين لا يمر يوم إلا نسمع به، وكذلك وزارة أو هيئة تعنى بالجرحى والنازحين والمهجرين وأبناء الشهداء، وكل هذه الرؤى صحيحة وواقعية ضمن متطلبات وحاجات البلد والأجيال الجديدة والناشئة والشباب ليتكامل البناء المعرفي والفني والروحي والعقائدي متلازماً مع البناء الاقتصادي ضمن عنوان العدالة الاجتماعية الذي كان من أهم بنود القسم الرئاسي.

التغيير متوافق عليه كحاجة سورية وأحد أهم جسوره وأدواته هم الشباب السوري الموجود ضمن البلد والمتحير بين البقاء والهجرة والمهاجر والنازح قسرياً.

وكذلك هم جسر البناء النمو والتنمية والتعافي والعودة القوية.

وكل شروطها متوافرة ولكن بوجود النوايا والإرادة والعمل الصحيح الدؤوب.. وفي ظل تنظيف الأجواء من فساد مسرطن وصل إلى مراحل التفريغ والعرقلة للعرقلة.

من يملك الشباب يملك المستقبل.

وتحصين الشباب معرفياً وفكرياً وروحياً وعقائدياً ووطنياً هو صك الملكية وليس التنظير والوعد والوعيد وديكورات تضليلية.

الشباب ضمن بيئتهم في أحلك الظروف وفي طرق فقدان الأمل هو واقع يجب ألا نتعامى عنه. والعمل الوطني البناء لقطع الطريق على من خطط وراهن وعمل لإيصالهم وإيصال البلد إلى ذلك، والعمل الجمعي المتوافق ضمن قانون عادل مطبق على الجميع ومواطنة تحقق العدالة كفيلة بتوطين الشباب ومنعهم من الهجرة كخيار وليس كإجبار.

 

العدد 993 - 19/01/2022