الدول الضعيفة وسعر الصرف

ألبر داغر:

أظهر الباحث جاكسون أن ما تغيّر بعد الحرب العالمية الثانية هو تحوّل كل المستعمرات السابقة إلى دول وطنية مستقلة بقرار ودعم من المجتمع الدولي (جاكسون، 1990). وقد ازداد عدد الدول من 50 في نهاية الحرب إلى 160 دولة عام 1990. المهم أن البعض فقط من هذه الدول الجديدة كان يتوفّر على الموارد اللازمة البشرية والمادية للوجود كدولة (statehood). وسوف تتكفّل العواصم الاستعمارية السابقة بتوفير الدعم لكثير من هذه الدول وصولاً إلى دفع رواتب الإدارات الحكومية التي أقامتها. أي أن التوافق الدولي أعطى صفة قانونية للوجود كدولة لكل هذه الكيانات (juridical statehood) ولو أنها لم تتمكن من استيفاء الشروط الفعلية لهذا التحوّل (empirical statehood) (جاكسون، 1990: 23). وهو ما برّر تسميتها بـ(أشباه دول) (quasi-states). ولقد كان النظام الدولي ولا يزال هو الذي يؤمّن بقاء هذه الدول الضعيفة (جاكسون، سورنسن، 2002: 284).

وتتبّع كريستوفر كلافام مآل السيادة في هذه البلدان قبل وبعد انتهاء الحرب الباردة (كلافام، 1999). فأظهر أن النخب في الدول الجديدة هذه كانت شديدة الحرص في البداية على السيادة. وذلك بمعنى الحفاظ على علاقة جيدة مع المجتمع الدولي واستخدام الصفة القانونية للدولة لضمان تحكّمها بشعوبها بلا خوف من تدخّل الخارج. وأعطى الإطار الدولي ممثلاً بـ (الحرب الباردة) للنخب هذه امتيازاً إضافياً هو حاجة الدول العظمى إليها للتصويت في أروقة الأمم المتحدة. وقد تابعت الدول العظمى دعمها لهذه الدول لكيلا تنتقل إلى المعسكر المضاد. وحفلت حقبة السبعينيات بمبادرات جماعية من قبل دول العالم الثالث للارتقاء إلى مستوى أعلى في ممارسة السيادة (كلافام، 1999: 525).

لكنّ حقبة الثمانينيات ستشهد بدء سيرورة معاكسة عنوانها تراجع سيادة دول العالم الثالث بل وانهيارها بالكامل. وقد استخدمت الدول الغربية الرساميل النفطية التي تم تدويرها بعد عام 1973 لإقراض الكثير من هذه الدول. وتبيّن مع ارتفاع الفوائد في مطلع الثمانينيات أن أكثريتها الساحقة كانت غير قادرة على الإيفاء بديونها. وهو ما أجبرها على الالتجاء إلى المؤسسات الدولية، أي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للاقتراض منها. ووضع الصندوق شروطاً للاستفادة من قروضه هي تحرير سعر صرف العملة أي خفضها بشكل كبير، وإزالة العوائق على الاستيراد وخفض حجم القطاع العام. أي أن مديونية دول العالم الثالث شكّلت المدخل لضرب سيادتها وصولاً إلى جعل الإدارة الاقتصادية لهذه البلدان في عهدة الخارج (externalization of economic management).

وقد وضع كلافام قدرة الدولة على تحديد سعر صرف العملة الوطنية في رأس قائمة العناصر المحدّدة للسيادة (كلافام، 1999: 533). فهذا السعر هو الذي يعيّن القدرة على الاستيراد من الخارج. وخفضه يعني ضرب مقدرة البلد المعنيّ على الاستيراد ودفعه إلى حالة من التقشّف الشديد. بل قد يتسبّب في حالات معينة بافتعال مجاعة.

وتعطي تجربة دول إفريقيا السوداء الفرنكوفونية مثالاً ساطعاً على مسألتَي سعر الصرف والسيادة. وكانت فرنسا قد ثبّتت منذ 1948 سعر الصرف في 14 دولة تكوّن (مجموعة دول إفريقيا الفرنكوفونية) CFA (أنطران علازر، سيفن سميث، 1994: ص 200 – 224). وبقيت هذه الدول محميّة حتى عام 1994 من انهيارات أسعار الصرف التي عرفتها الدول الأخرى. وتخلّت فرنسا في ذلك العام عن تثبيت سعر الصرف لهذه الدول. وهي التي كانت كفاءتها الاقتصادية قد تراجعت وزادت مديونيتها على مدى الحقبة بشكل كبير. وقد أخلت فرنسا الساحة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لفرض برامجهما على هذه الدول. ووقف رؤساء دول إفريقيا الأربعة عشر مشدوهين ومشلولين أمام انسحاب فرنسا من تثبيت سعر صرف عملتهم. وفرض هذا الانسحاب واقعاً جديداً على هذه الدول هو التقشّف الاقتصادي وتراجع النمو وتردي الأوضاع الحياتية من دون توقّف.

وأظهرت برامج التصحيح الهيكلي التي فُرضت على بلدان إفريقيا دور سعر الصرف في هذه البرامج. ويمكن اختصار هذه الأخيرة تحت ثلاثة عناوين: 1) خفض سعر صرف العملة الذي هو الإجراء الأكثر فعالية والأسهل في التطبيق. ويمكن الوصول إليه من خلال المفاوضات مع الصندوق مقابل دعم يوفّره. ويمكن الوصول إليه من خلال افتعال أزمة مالية تجعله أمراً واقعاً. ولأن خفض سعر صرف العملة كان الأهم في هذه البرامج، تسمّت سياسات (تصحيح هيكلي بواسطة سعر الصرف)؛ 2) خفض تدخّل الدولة بخصخصة الشركات الحكومية الرئيسية وخفض الإنفاق العام؛ 3) إجراء تغييرات جذرية تحرم الدولة من مداخيلها السابقة تحت عنوان إلغاء (تشوهات الأسعار). ومن ذلك إلغاء الرسوم الجمركية على الصادرات وحلّ الإدارات الحكومية التي تحتكر شراء الإنتاج الزراعي المحلي وتتولى تصديره، وإلغاء الرسوم الجمركية على الواردات التي كانت تحمي قطاعات بعينها (كلافام، 1996: 171 – 172).

* أستاذ جامعي

(الأخبار)

العدد 969 - 28/07/2021