من بلادي | سوق الحميدية

من داخل أسوار دمشق القديمة ذات الإرث الثقافي والحضاري والتاريخي الممتد، يأخذك شارع الحميدية عبر مجموعة من المحالّ المتلاصقة تضجّ بالأصالة الشرقية المتوارثة، وصولاً إلى الجامع الأموي، في رحلة أقل ما يقال عنها انفصال مؤقت عن العالم الخارجي. في هذا الدهليز الموازي للجدار الجنوبي لقلعة دمشق، تطالعك الحوانيت الشعبية وتخطفك الروائح من كل اتجاه، والسقف المقبّّب يعزز الحالة الشعورية لتفيض بمزيج من المشاعر ما إن تنتهي الرحلة في رحاب الجامع الأموي.

يبدأ السوق من شارع الثورة وينتهي في ساحة الأموي، على طول يقارب 600 متر، ممتداً بين باب النصر (في الغرب) وباب البريد (في الشرق)، سالكاً محور الطريق الروماني المؤدي إلى معبد جوبيتر وبقاياه المرمرية الصامدة منذ زمن الإغريق، على شكل بوابة أثرية وأعمدة رخامية باسقة تنتهي بتيجان مزخرفة من الرخام.

تحتوي المنطقة على ما يزيد على 20 سوقاً تاريخياً متخصصاً بمنتجات ومهن متنوعة، مثل سوق البزورية (المتخصص بالبهارات والحبوب والزيوت وغيرها)، وسوق الحريقة (المتخصص بالأقمشة)، وسوق القيشاني (للكلف والأزرار)، وسوق العِبي (للعباءات العربية)، وسوق الصوف والقطن والخياطين والصاغة والحرير والقباقبية والعرائس (سوق تفضّلي) والعصرونية والمناخلية والسروجية والمسكية والطويل.

يبلغ ارتفاع المباني التي تشكل فراغ السوق حوالي عشرة أمتار، وتتألف واجهاتها في الطابق الأرضي من أعمدة منتظمة وأسقف وكرانيش حجرية، وفي الطابق الأول تنتظم نوافذ ذات طابع قديم تقليدي تعلوها الزخارف والكرانيش البسيطة.

ويغطي فراغ السوق سقف معدني تُشكله أقواس نصف دائرية مصنوعة من الحديد المشغول وموضوعة على ارتفاع عشرة أمتار، ما يضفي نوعاً من الاستمرارية البصرية على طول المسار ويعزز التكامل بين أجزائه، كما أنه مغطى بسقف من التوتياء (الزنك) المقاوم وغير القابل للصدأ. وتتوزع على كامل مساحة السقف المعدني ثقوب صغيرة تحمل الإضاءة الطبيعية تنعكس على شكل حزم وظلال على المعروضات داخل الدهليز بزوايا مختلفة خلال فترات النهار. أما أرضيته فمغطاة كلها بالحجر البازلتي الأسود، الذي يحقّق ميزة الاتصال البصري.

كما يحفل محيط السوق بمبانٍ تاريخية وأوابد أثرية عدة دينية وعلمية وثقافية وتجارية، من قلعة صلاح الدين وضريحه وتمثاله الشهير، إلى مدرسة ومكتبة الظاهر بيبرس، وقصر العظم، وجوامع ومساجد ومبانٍ تاريخية عدّة.

العدد 963 - 9/06/2021