عن تأسيس (مصارف التمويل الأصغر) في سورية

صفوان داؤد:

نشأت المصارف في سورية خلال الاحتلال العثماني مع إنشاء المصرف الإمبراطوري العثماني، الذي احتكر الإصدارات النقدية حتى عام ١٩٢٥. ومع الاستقلال تطور القطاع المصرفي وأصبح له باعٌ طويل في حركة النقد وتطور الاقتصاد السوري، خاصة خلال عقد الخمسينيات من القرن الماضي.

لاحقاً بعد عملية التأميم في سورية استطاعت المصارف الحكومية في مقدمتها البنك التجاري من تنفيذ سياسات المصرف المركزي وتوجيه الاقتصاد الكلي للبلاد عن طريق التحكم بحجم الائتمانات والتسهيلات الممنوحة للقطاعات المختلفة، ومن سد حاجات السوق من الخدمات المتعلقة بالتمويل والإقراض. وأخذت المصارف الحكومية نوعاً من التخصص؛ على سبيل المثال اختص المصرف الزراعي بالشؤون المتعلقة بالاقتصاد الزراعي، فيما مال مصرف التسليف الشعبي إلى تقديم تسهيلات للفئات المجتمعية الأقل يسراً في البلاد.

في نيسان ٢٠٠١ دخلت المصارف الخاصة إلى سورية، لكنها لم تستطع مجاراة البنوك الحكومية ذات الباع الطويل في السوق المحلية والمحتفظة بأصول جارية هائلة. واستكمالاً للمسار في تعزيز حضور القطاع المصرفي الخاص، أُصدِر الشهر الماضي القانون رقم ٨ لعام ٢٠٢١ القاضي بالسماح بتأسيس (مصارف التمويل الأصغر). واعتمد مجلس النقد والتسليف التعليمات التنفيذية للقانون، المتعلقة بالترخيص والتسجيل لهذه المصارف. ويشير قانون التأسيس إلى أن الهدف من هذه المصارف هو تحقيق الشروط المناسبة للوصول إلى الخدمات المالية المصرفية ومَنحْ قروض تشغيلية لشريحة محدودي الدخل، من أجل خلق فرص عمل وتحقيق التنمية المستدامة، وتأمين التسهيلات الممكنة في مجالات الائتمان والادخار والتأمين، وأيضاً تقديم الخدمات غير المالية المتعلقة بها.

وبشيء من النسق الخطابي قالت صحيفة (الثورة) المحلية إن هذه المصارف هي (ضرورة حقيقية في الفترة الحالية والمستقبلية بالنظر إلى ضرورة تطوير التشريعات القائمة التي تنظم عمل التمويل الصغير بما يحقق منحها المزيد من الميزات والإعفاءات لتوسيع أعمالها وزيادة عددها، وزيادة أنواع النشاطات والخدمات المسموح لها بممارستها، بما يحقق إمكانية تلبية الاحتياجات التمويلية…. لا سيما في المرحلة الحالية بعد الأزمة التي مر بها القطر). وأوضح حاكم مصرف سورية المركزي أنه لا يمكن تحديد سقف القروض في هذا النوع من المصارف، وأن طلبات القروض تحددها طبيعة القرض، إذ يمكن لبعض القروض أن تكون بلا ضمانات، في حين يحتاج قرض آخر إلى ضمانة، وحتى إلى كفلاء. لكن بعض المختصين المحسوبين على المعارضة أوضحوا أنه لا يمكن أن يكون الإقراض الأصغر مستداماً دون إمكانية تقاضي أسعار فائدة مرتفعة، وستكون بالضرورة أعلى بكثير من الأسعار المُتعارف عليها في المعاملات المصرفية الاعتيادية، ذلك أن خسائر الليرة المستمرة ستؤدي إلى تآكل الأرباح. مع ذلك اعتبر مدير عام (هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة) لوكالة (سانا) الرسمية، أن القانون رقم ٨ لعام ٢٠٢١ يقدم حلولاً للعقبة الأكبر التي كانت تعترض إنجاز المشروعات، وهي التمويل، بالتالي سيسهم في الارتقاء ببيئة الأعمال في هذا القطاع إلى الأفضل.

لكن الولوج إلى أصل المشاكل المستعصية في الاقتصاد السوري يحتم علينا أن نطرح تساؤلات عن جدوى إنشاء مثل هذه المصارف وتوقيته؛ إذ جاء بعد أسابيع قليلة من إصدار العملة الورقية الجديدة من فئة الخمسة آلاف. ومع التهاوي المقلق لقيمة العملة السورية، تترتب مجازفة للمستثمرين في إنشاء مصارف، حيث البيئة الاستثمارية غير مستقرة ليس فقط جغرافياً وإنما مالياً؛ وينصّ قانون الإشهار على التعامل فقط بالليرة السورية. يُذكر أن تمويل المشاريع الصغيرة كان موجوداً في سورية سابقاً، عبر (هيئة مكافحة البطالة)، ولم يكن لتلك الهيئة في زمن السلم تأثير اقتصادي ملموس، فكيف هو في وضع البلاد غير المستقر حالياً؟

 لن تكون الإجابة عن هذا السؤال سهلة مالم نعاينها من المنظور السياسي للمسألة، هل جاء هذا القانون كمطلب خارجي من دول مرشحة أن تكون دولاً مانحة، سواء كانت عربية أم أجنبية، بحيث تشكل هذه المصارف منفذاَ مقونناً لدخول السوق السورية قبل البدء بمرحلة إعادة الإعمار؟ أم هو قانون صُمِّم خصيصاً لإحدى الدول الحليفة للتغلغل ضمن نسيج المجتمع السوري بطريقة انتهازية عبر استغلالها وضع السوريين الصعب، وتقديم التسهيلات الائتمانية وتمويل المشاريع الصغيرة لهم بفوائد رمزية أو معدومة، خصوصاً في الأرياف السورية لغايات إيديولوجية وعقائدية؟

مهما يكن من أمر الوضع الاقتصادي في سورية السيئ للغاية وباعتراف الجميع، فإنه لن يُحلّ بقوانين اقتصادية او إدارية بحتة، المشكلة الاقتصادية في سورية هي مشكلة سياسية بالدرجة الاولى، فإذا كان الهدف من (مصارف التمويل الأصغر) نية للإنجاز فهذا واجب، وإذا كان من خلفه مآرب مصلحية للحكومة، فهذا لا شأن للفقراء به، وهذا ظلم و(الظلم مؤذن بخراب العمران)_ (ابن خلدون).

العدد 956 - 14/04/2021