من الأزمة إلى النهوض

فؤاد اللحام:

تواجه الصناعة السورية في هذه المرحلة مهمة كبيرة ثلاثية الأبعاد، تتمثل أولاً بإعادة التأهيل والتشغيل والعودة إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، وثانياً استدراك ما فات هذه الصناعة من فرص النمو التي كان من الممكن تحقيقها خلال السنوات الثماني الماضية لولا حدوث الأزمة، وثالثاً الانتقال بالصناعة السورية إلى مرحلة جديدة من التميز والنهوض.

هذه المهمة ليست هيّنة ولا سهلة المنال في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي نجمت عن الأزمة وانعكست على حياة كل السوريين وأعمالهم، خاصة إذا ما ارتبطت بمهمة أخرى تتكامل معها، وهي الاستفادة من فرصة ما حدث لإعادة توطين الصناعة السورية وتأهيلها وتحديثها بشقيها العام والخاص، وهي مهمة أساسية وضرورية لا يجوز تأجيلها ولا تجاوزها.

وعليه ليس المطلوب فقط إعادة الصناعة السورية لوضع ما قبل الأزمة، لأن وضعها آنذاك لم يكن مريحاً، لأنها كانت أصلاً في أزمة لعدم قدرتها، أو عدم تمكينها، على زيادة قدرتها التنافسية سواء أمام المنتجات المستوردة أو في النفاذ للأسواق المستهدفة، وإنما المطلوب أيضاً تلبية حاجتها إلى برنامج شامل للتحديث والتطوير تتكامل فيه الأدوار بين المستوى الكلي (السياسات الحكومية) والمستوى المتوسط (المؤسسات الداعمة التدريبية والاستشارية وغيرها العامة والخاصة) والمستوى الجزئي (المنشآت الصناعية).

هذه المهام هي بالتأكيد أكبر حالياً من القدرات والامكانيات المالية والتنظيمية والفنية المنفردة للجهات المعنية الحكومية والخاصة سواء غرف الصناعة والتجارة أو الاتحادات الأخرى، وبالتالي لابد من فرق عمل قطاعية متخصصة من هذه الجهات ومجموعة من الخبراء المختصين لوضع الخطط والبرامج وتحديد الأولويات حسب الإمكانيات والضرورة والأهمية للبحث عن مصادر لتمويلها وتنفيذها ضمن برنامج متكامل لإعادة الاعمار، على أن  تنجز وتناقش نتائج عمل هذه الفرق في أقرب وقت ممكن في مؤتمر عام أو في ورشات عمل متخصصة يشارك فيها، إلى جانب هذه الجهات، الصناعيون والخبراء وجهات التمويل والمؤسسات الداعمة القائمة المختصة بالتدريب والتأهيل والمواصفات والاختبارات والجودة وجمعية العلوم الاقتصادية السورية والجمعات الأهلية الأخرى ذات العلاقة.

وفي عملية الدراسة والمناقشة من قبل هذه الفرق وغيرها، من الضروري والمفيد الرجوع إلى الدروس المستفادة من تجارب الدول الأخرى التي مرت بظروف مشابهة ولو قليلاً لظروفنا الحالية، وكذلك الرجوع إلى المحاولات العديدة التي سبق أن بذلت في مجال التحديث والتطوير الصناعي في سورية، قبل الأزمة وأثناءها، من أجل تحديث وتطوير الصناعة السورية بعضها نجح وبعضها الآخر تعثر وبعضها أهمل أو وُئد لأسباب غير موضوعية وبذرائع واهية. وقد أكد معظم تلك الدراسات على الحاجة الماسة لتنفيذ هذه البرامج التي كان يتضمن بعضها رفع قدرات العاملين في الجهات العامة والخاصة المعنية حتى يتم إتقان التعامل في مجالات التعاون الفني مع الجهات الداعمة والمانحة بفعالية وبشكل يبين لها كفاءة وقدرة الجهات الوطنية المستفيدة في اقتراح واختيار وتنفيذ ومتابعة برامج التعاون الفني معها، وفي الوقت ذاته المساهمة في تعظيم الاستفادة من هذه البرامج ووضع حد للازدواجية والتعارض فيما بينها وضعف المتابعة والتنسيق بين الجهات المعنية في هذا المجال.

لذلك فإنه في عملية البحث عما يجب القيام به في هذه المرحلة والمراحل اللاحقة من المفيد أولاً نفض الغبار عن الدراسات التي أُجريت ومراجعتها وتحديث ما يجب تحديثه منها لتكون أداة بين أيدي كل من يرغب جدياً في تطوير الصناعة السورية وتمكينها من الخروج من أزمتها بكفاءة السوريين ومهارتهم صناعيين وعمالاً وفنيين واستشاريين.

مسؤول كبير في وزارة الصناعة قال ذات مرة لخبراء إحدى المنظمات المتخصصة التي قامت بإجراء دراسة عن القطاع الصناعي في سورية: (ما ورد في هذه الدراسة نعرفه جيداً ولم تأتنا بشيء جديد؟!!). فريق الخبراء صُدم بهذا القول لا لأنه لم يقدم شيئاً جديداً في الدراسة التي أعدها، ولا لأن هذا المسؤول بالتأكيد لم يقرأ الدراسة أو أن من قرأ عنه اطلع عليها ولم يستوعب ما جاء فيها، بل لأن مثل هذا القول يمثل فضيحة تدين هذا المسؤول وأمثاله، فإذا كان ما ورد في تلك الدراسة سبق أن ورد في دراسة أخرى، فهذا يعني التأكيد على أهميتها من أكثر من طرف، وبالتالي ضرورة تنفيذها، كما أنه إذا كان ما توصلت إليه هذه الدراسات وغيرها معروف كما زعم ذلك المسؤول، فلماذا لم ينفَّذ!؟

الجميع في سورية اليوم يدركون أن وضعها الاستثنائي ومنها الصناعة يحتاج إلى قيادات وإجراءات استثنائية، وهذه لا يمكن الوصول إليها من خلال رؤية أحادية من زاوية ضيقة، بل من خلال رؤية عريضة قوامها الأساسي فرق العمل المتخصصة المؤهلة وذات الصلاحيات.

العدد 950 - 3/03/2021