ألقاب وصفات تقودنا إلى التهلكة

إيناس ونوس:

كثُر في الآونة الأخيرة تداول الألقاب، بغضّ النظر عن الاهتمام بمدى فعاليتها ومنطقيتها وواقعيتها، وبعضها جاء بتصريح رسمي حين عمّمت وزارة الصحة بإطلاق لقب دكتور/ة على كل صيدلاني/ة انطلاقاً من مبدأ المساواة بين جهد حاملي شهادة الصيدلة مع جهد حاملي شهادة الطب، خصوصاً وأنهم يعملون في المجال ذاته ولا يوجد ذاك الفارق الكبير في الخبرة وعدد سنوات الدراسة، بحسب رأي أصحاب القرار طبعاً. فإذا نظرنا إلى الأمر من وجهة نظر خريجي كلية الصيدلة العاملين في هذا المجال فهو حق طبيعي لهم، فغالبيتنا نعتمد عليهم أكثر من الأطباء في معالجة أمراضنا الاعتيادية البسيطة لعدّة اعتبارات لسنا بصدد ذكرها هنا، لكن الأمر من جانب آخر يعتبر مشكلة حقيقية،  ذلك أن معظم العاملين في أغلب الصيدليات ليسوا من حملة شهادة الصيدلة، بل إن عدداً لا بأس به منهم لا يملكون شهادات أساساً، في حين أن بعضهم الآخر يحمل شهادات بعيدة كل البعد عما يعملون به، واعتمدوا هذا العمل انطلاقاً من مبدأ الخبرة فقط من جهة، وبحكم تأجير غالبية حملة شهادة الصيدلة لشهاداتهم لاستخراج ترخيص نظامي من وزارة الصحة لافتتاح صيدلية تدرُّ عليهم أرباحاً مادية دونما جهد أو تعب من جهة أخرى. فهل من المنطقي أن يتساوى من درس عدّة سنوات وبذل خلالها كل جهوده ليحصل على شهادته، بمن لم يدرس أو لم يُحصِّل أيما شهادة فقط لمجرد أنه يعمل في المجال ذاته؟

صورة أخرى نُعايشها في الواقع، إذ يوجد العديد من الأشخاص الذين اتبعوا دورة هنا وأخرى هناك في مجال ما، كالعلاج بالطاقة الذي انتشر انتشار النار بالهشيم في السنوات الأخيرة، أو التداوي بالأعشاب أو غيرها من المجالات التي عايشناها ولا نزال، وبعد خضوعهم لتلك الدورات وحصولهم على شهادات حضور اعتمدوا عليها لافتتاح مراكز يعملون فيها على معالجة الناس وكأنهم أطباء مجازون!! لاسيما أن امتلاك تلك الشهادات المزركشة لا يحتاج إلى الكثير من الجهد، بل وربما يمكن الحصول عليها ببعض المبالغ المالية البسيطة!!

فهل امتلاك مثل هذه الشهادات المكتوبة غالباً باللغة الانكليزية التي لا يفهمها غالبية شعبنا من الناس البسطاء وتشدهم بكثرة عددها وأشكالها الخلابة، لتوهمهم بأن صاحبها ذو خبرة قوية ومعرفة علمية حقيقية، قادرٌ على أن يؤهل مالكها على حل ومعالجة المشاكل التي يعاني منها أولئك الناس؟

فإن صادف أن جاء العلاج بنتائج معاكسة لما هو مرجوٌّ منه في كلتا الحالتين السابقتين، وتدهورت الحالة الصحية للمريض، فمن المسؤول حينئذٍ؟ ومن هي المرجعية التي يمكن للمريض المتأذي ساعتئذٍ أن يعود إليها؟؟ للأسف لا توجد هنا أية مرجعية قانونية واضحة وحقيقية، ويكون الفأس قد وقع بالرأس والخاسر الوحيد هو المريض أولاً وآخراً، ولا من مهتم.

ما يؤسف له حقيقةً أننا رغم كل التَّقدم التِّقني والتُّكنولوجي الذي نلامسه في حياتنا، وبالرغم من كل الكوارث التي حدثت، لا نزال ننبهر بتلك الألقاب المتكاثرة بشكل غير منطقي، متناسين أنه من المفترض أن تكون مهمتها فقط التوصيف لا أكثر ولا أقل، دون أن نكون أكثر وعياً واهتماماً بصحتنا؟ ما يطرح التساؤل التالي: ألم يحن الوقت لأن نمتلك بعضاً من التفكير بضرورة تناول الأمور الصحية تحديداً بشيء من الجدية والاهتمام؟؟ وأن نُعمل العقل والتفكير المنطقي بأن ليس كل من امتلك لقباً هو جدير به؟ فكم من مريض تدهورت صحته بعد أن جرب أصحاب تلك الألقاب فيه وبصحته بدمٍ باردٍ ودونما أيما اكتراث؟!

العدد 950 - 3/03/2021