مواطن بلا رتبة

غزل حسين المصطفى:

(حتّى يقول أولادي يوماً ما: نحن أولاد غَزَل حُسَين المُصطَفى بهذه الجملة العبثيةاأنهيت تساؤلات جارتي الّتي تتصيّدني وأنا عائدة إلى المنزل وتختار اللحظات الّتي يبدو فيها على ملامحي أنَّ التّعب قد جرّح جفوني وأدماها، لتنهال عليّ بأسئلتها: (إيمت رح نفرح فيكي؟ شو آخر هالشغلات يلّي عم تضيّعي شبابك عليها؟ ما في حدا هيك هيك؟!). وتختتم الحديث بسلسلة من الأدعية لي ليهبني اللهوالزوج المناسب والذرية الصالحة، في أقرب وقت ممكن قبل أن يفوتني الوقت (حسب زعمها).
دائماً ما أقابل هذا كلّه بعبارات مجاملة وابتسامات ودّ ولطف لا أكثر، لا أدري لماذا أجبتها اليوم هكذا.
أتممت طريقي إلى المنزل وأنا أفكّر، هل سأقبل على نفسي يوماً أن أكون واسطةً لأحد حتّى لو كانوا أولادي؟
هل سأعطيهم ما منعتُ نفسي عنه وتعزّزت عن ذكر إلّّ اسمي أنا في كل الأماكن، متناسية صلة القربى بأيّ شخصٍ كان حتّى أمي، وهو ما أُلام عليه دائماً أو ما أسمعه بشكلٍ صار يسبب لي الإرهاق النفسي (معقول أمّك ما بتقدر توظفك معها؟!).
ساقني التفكير في هذا الموضوع إلى دائرة أكبر بكثير وأشدُّ فتكاً وهي (الألقاب الرنانة) الّتي باتت هي الواسطة الفعلية والحقيقية في هذا المجتمع. إذ يتهافت كثيرٌ من الشباب اليوم ويندفعون اندفاعاً لنيل لقب (إعلامي)! وهنا قد يُستنكر الوضع، لكن هذا اللقب قادر على تغيير الخارطة وقلب الموازين فيما يخص مثلاً (الدعاية والإعلان) لاسيما عبر وسائل التواصل الإجتماعي، للأسف أصبحت الحالة توصف باللهاث وراء الشهرة، وراء الصور والمتابعين والجمهور، لم يُفكّر أحدهم برسالة أو حلم أو طموح، وهذا الأمر ينطبق على الكثير من مناحي الحياة.
ولكن أين الطامة الكبرى؟
تكمن الطامة الكبرى فيباستغلال هذه المسميات بطرق تُحدِث فوضى مجتمعية وتخلق فجوة.
بالأمس على طابور الخبز الطويل، جاء شابٌّ عشريني وطلب من الجميع أن يفسحوا له المجال وأنه أحق بهذا الوقت الضائع هنا، الوطن ينتظره ويفترض أن يأخد من شبّاك (الخط العسكري) وعندما بادره الناس بالسؤال (ما هو عملك؟) ردَّ ورأسه يعانق غمام السماء: (أنا الإعلامي س)!
رنّ الجواب في دماغي والتفتُّ أتعرّف إعلامياً من بلدي، أخذ الخبز وانصرف وشكر العمال بعد أن أخذ الصور معهم، دفعني الفضول لأبحث عن اسمه وأعماله، وكانت المفاجئة أنه مُحرّر لصفحة عامة على الفيسبوك عمرها أشهر، يديرها ويعيد نشر الأخبار والمنوعات عليها.
ما أبسط الأمور إنه إعلامي بصفحة فيسبوك، لا أدري ماذا يمكن أن يسمّي نفسه من عمل في هذا المجالبما يزيد عن الثلاثين عاماً؟!
أنا لا ولم أقصد هذا الشاب أبداً، كانت مشكلتي حقيقةً مع الحالة: (انتحال الألقاب أو انتهاكهب) والانسياق نحو بريقها ومكاسبها ليصير المواطنون تبعاً لتلك الألقاب: (مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية… وهكذا) وربما ينسى المُلقّب أنّه مواطن ويكتفي بلقبه.
هل الحالة ونتائجها تستدعي الشرح والإسهاب في الحديث!؟
يمكن أن نُعيد صياغة القصة السابقة ولكن مع تغيير المسمّى المذكور (اللقب) أو ربما من غير أن نعود إليها، ففي الذاكرة بل وكلّ يوم تستوقفنا مواقف مشابهة تُرتّب المشهد بحسبها.
إلى كل مواطن لم ينل شرف التصنيف والألقاب.
إلى كل مواطن رتبته مواطن فقط.
كنت أودُّ أن أقول لك هذا الوطن ملكك أنت أو من حقك، لكن حتّى الوطن اقتسموه هم.
أحدثكم وأنا مواطن بلا رتبة.

العدد 950 - 3/03/2021