مجتمع إنساني حر

غزل حسين المصطفى:
سأنجـب طفـلاً أسمّيـه آدم، لأن الأسامي فـي زماننـا قد تصبح تهمـة، فلن أسمّيه محمــداً ولا عيسـى، لن أسمّيه علياً ولا عُمر ، لن أسمّيه صداماً ولا حسيناً، ولا حتى زكريا أو إبراهيم، ولا حتى ديفيد ولا جورج.
أخاف أن يكبر عنصرياً وأن يكون له من اسمه نصيب، فعند الأجانب يكون إرهابياً، وعند المتطرفين يكون بغيّاً، وعند الشيعة يكون سنيّاً، وعند السنة يكون علوياً أو شيعياً، أخاف أن يكون اسمه جواز سفره.
أريده آدم مسلماً مسيحياً، أريده أن لا يعرف من الدين إلاّ أنه لله، وأريد أن يعرف أن وطنـه للجميــع، سأعلّمـه أن الدين ما وقّـر لي قلبه وصدقه وعمله وليس اسمه، سأعلّمه أن العروبة وهم، وأن الإنسانية هي الأهم، سأعلّمه أن الجوع كافر والجهل كافر والظلم كافر أيضاً.
سأعلّمه أن الله في القلوب قبل المساجد والكنائس، وأن الله محبة وليس مخافة، سأعلّمه ما نسي أهلنا أن يعلمونا إياه، سأعلّمه أن ما ينقصنا هو ما عندنا، وأن ما عندنا هو الذي ينقصنا، سأعلّمه أنني بدأت حديثي بأنني سأنجبه ذكراً لأن الأنثى ما زالت توأد، وأن الخلل باقٍ في (المجتمع العربي).
بهذا النص قد تُختصر القضية، نعم، كيف سأنجب طفلاً وأحميه من اسمه أولاً؟!
كيف سأنجب طفلاً لا يخاف من نسبه ومكان ولادته؟!
كيف سأنجب طفلاً لا يكون إرهابياً متطرفاً عند الغرب لمجرد كونه عربيّ الأصل؟!
كيف سأنجب طفلاً حراً؟!
كيف سأنجب طفلاً وأعطيه جوازاً إنسانياً يُقابل به الحياة، لا جوازاً طائفياً يُلغّم له تفاصيل معيشته؟!
نحن بالفطرة نميل إلى الدين، ولا ضير في ذلك، الله محبة وسلام وتسامح، لكن أن نُشهره سلاحاً في وجوه بعضنا، هنا تكمن المشكلة.
لو توجهت إلى الشارع مُتسائلاً: (هل الدولة دولة علمانية؟) أو (ما هي العلمانية من منظورك؟)
فسوف تتباين الآراء ويستوقفنا سوادٌ أعظم سيطغى على اللوحة يُعرّف العلمانية على أنها فصل الدين عن الدولة، ما يعني إقصاء الدين وترك المجتمع ينفلت… سيتخذون العلمانية شماعة يُعلقون عليها كل سلبيات المجتمع، بالمختصر (رؤية سوداوية قبيحة).
ولو سألنا: هل تستطيع الدول التي تدّعي خوضها غمار العلمانية أن تُطبق العلمانية والمنطق والفلسفة على قوانينها وتشريعاتها النافذة حتى تواكب بها متطلبات العصر ووجه الحياة الجديدة التي نعيشها؟
هل المجتمع جاهز ومتفهّم تماماً للفكرة بعيداً عن تلك الاتهامات والأقنعة البشعة التي تُزيَّف بها العلمانية؟
هل هناك من يدرك أن احترام شعائر كل فرد وطريقه في الوصول إلى معبوده هي نقطة أساسية لا مساومة عليها؟
لا داعي للإجابة عن الأسئلة، الإجابة واضحة من افتتاحية المقال.
ودائماً المشكلة في تبادل الاتهامات، تزوير الحقائق، طمس الهوية، أو تشويه الفكرة واتهامها بخرق نظام المجتمع والدولة، هي النقطة التي تضيع على أعتابها كل التحركات الفكرية النضالية لخلق مجتمع إنساني حرّ.

العدد 944 - 20/1/2021