رحيل الأستاذ الدكتور محيي الدين بحبوح

زينب نبّوه:

كم هي صعبة وموجعةٌ حكاية الوداع الأخير الذي لا عودة بعده أبداً، فرحيل الأقارب والأحباب والأصدقاء أمر بالغ الصعوبة، ولكنه واقع أليم رغم ما يُحدثه من شرخٍ في أعماق النفس البشرية.

أيام قليلة مضت على غياب محيي الدين بحبوح، الأستاذ والباحث في علوم الرياضيات، وأحد أساتذة قسم الرياضيات في كلية العلوم في جامعة دمشق وفي عددٍ من الجامعات في سورية وليبيا والجزائر خلال نصف قرن ونيف.

اختار الرياضيات ميداناً لتخصصه الأكاديمي مع متابعة مستمرة للقراءة الأدبية والفلسفة والشعر. ففي الأعوام التي درس فيها الرياضيات وتخرج وأصبح أستاذاً مرموقاً في هذا العلم العظيم الذي كان يحبه ويكرس له الكثير من وقته، بقي على صلة بالأدب والفلسفة والثقافة العامة، ولم يرَ أي تعارض بين أن يكون عالماً في الرياضيات من جهة وأديباً يبحث وينهل من بحر الشعر والسجع من جهة أخرى.

أما عن علاقته بالسياسة فقد اختار الاشتراكية العلمية منذ دراسته في المرحلة الإعدادية، بتأثير من أخيه الأكبر عبد الجليل الذي كان عضواً في الحزب الشيوعي السوري في ذلك الوقت.

بعد أن أنهى دراسته الجامعية بتفوق، في الوقت الذي كان فيه التعاون وثيقاً بين جامعة دمشق وجامعات الاتحاد السوفييتي، جرى إيفاد محيي الدين مع ثلاثين أستاذاً من أساتذة الرياضيات لمتابعة دراستهم الأكاديمية في الاتحاد السوفييتي سابقاً. كانت الدراسة صعبةً جداً ومتميزة، ولم يستطع سوى ثلة من الأساتذة الموفدين متابعتها وكان منهم محيي الدين، وعاد بعد ست سنوات حاملاً شهادة الدكتوراه من جامعة موسكو الحكومية إحدى أرقى الجامعات في ذاك الوقت.

بدأ محيي الدين التدريس في جامعة دمشق عام 1973 وبقي فيها حتى نهاية عام 2009 أي حوالي ستة وثلاثين سنة، أوفد خلالها لمدة ستة أشهر إلى كندا بمهمة للبحث العلمي في إحدى جامعاتها المعروفة في مجال الرياضيات، وعاد إلى جامعة دمشق حاملاً معه جزءاً من الحداثة التي وجدها هناك.

منذ بداياته الأكاديمية حرص الدكتور بحبوح، كما اعتاد على تسميته بذلك طلابه وزملاؤه، على نشر المعرفة و العلم، فألف عدد من الأمليات منذ عام 1973 للمقررات التي كان يدرسها في جامعة دمشق، وطبع كتابه الأول بعنوان (الحساب التكاملي) في جامعة دمشق عام 1978 الذي دُرِّس في الجامعة و طُبِع بنسخ محدثة لأكثر من خمسة عشر عاماً. بلغ عدد المؤلفات التي ساهم الدكتور بحبوح في إعدادها، وحده أو بالمشاركة مع زملائه من أساتذة الرياضيات الكبار في جامعة دمشق، أكثر من خمسة عشر مؤلفاً تم تدريسها لعدة سنوات في جامعة دمشق وفي عدد من الجامعات السورية الأخرى كجامعة قاسيون والجامعة العربية الدولية.

ترك الدكتور محيي الدين ثروة من النتاج الفكري، وتتلمذ على علمه في جامعة دمشق والجامعات الأخرى عدد هائل من أساتذة الرياضيات، وتكلل عمله الدؤوب بالمثابرة والصبر إلى أن حقق ما يريده للعلم ولأبناء بلده الذين كان يعاملهم كأبنائه.

أعود بالذاكرة إلى الوراء قليلاً، فخلال فترة الوحدة بين سورية ومصر اعتُقل محيي الدين عندما كان في سنته الدراسية الأولى. وزُجّ به في سجن المزة وأمضى فيه أشهراً طويلة، وكان قد جرى اعتقال أخويه: الأكبر عبد الجليل، والأصغر: شريف. كان ذلك بعد إعلان الوحدة السورية المصرية وإعلان موقف الحزب الشيوعي من الوحدة، الذي لم يكن رافضاً ولا معارضاً لهذه الوحدة، بل على العكس كان حريصاً على توفير متطلباتها وصمودها وتطورها، مؤكداً ضرورة قيامها على أسس ديمقراطية ومراعاة الخصوصية في كل من سورية ومصر حتى تكون تلك الوحدة مثالاً جاذباً لأقطار عربيةٍ أخرى. لكن للأسف وعلى عكس أغلب طموحات الشعوب العربية انتهى نموذج الوحدة بالفشل.

تميّز محيي الدين بعمق إنسانيته وروحه الوطنية ونبل أخلاقه. لقد كان مدافعاً حقيقياً عن الإنسان رجلاً كان أم امرأة، وكان يحترم دور المرأة في المجتمع والأسرة ويعتبره أساساً للنهوض بالمجتمع للأمام.

وما دام الحديث عن محيي الدين كرجل عظيم فلا بد من ذكر امرأتين: والدته الباسلة فاطمة غنيمة، الداعمة الدائمة لأولادها لإيصالهم إلى مستويات علمية متميزة، وزوجته الفاضلة المهندسة هناء الساطع، ابنة الشيوعي المعروف يوسف عز الدين الساطع، الذي كان دائم الاهتمام بمصالح شعبه ومدينته دمشق خلال عمله في المحافظة، وهو من أوائل الشيوعيين والصديق الشخصي للرفيق خالد بكداش.

لمحيي الدين وزوجته هناء بنتاً وابناً، وهما الدكتورة المهندسة لما بحبوح، والدكتور المهندس كنان بحبوح، اللذان يقيمان في اليابان وكندا حالياً.

كان هدف محيي الدين الوصول إلى مجتمع ديموقراطي متطور ومنفتح مبني على العطاء دون حدود.. مبني على رسالة لا يبخل فيها المدرس على الطالب أو الجار أو الطفل بعلمه دون مقابل.. كان متواضعاً ودوداً ومرحباً بكل من كان يسأله بابتسامة لا تنسى…. حلم فقيدنا مازال حلم كثيرين منا.. نأمل أن يتحقق هذا الحلم قريباً قبل أن نودّع إنساناً عزيزاً آخر.

تحية الوداع لفقيدنا الغالي والذكرى الطيبة له.

العدد 943 - 13/1/2021