صراخٌ وشتائم.. عراكٌ دامٍ.. عنوان طفولتك يا بلادي!

إيناس ونوس:

بعد عناءٍ مريرٍ، تمكَّنتُ من إدخال ابنتي إلى باحة المدرسة، إذ إن التَّجمُّع البشري لحظات دخول التَّلاميذ، إلى المدرسة وانصرافهم منها، هائلٌ بما لا يمكن تخيُّله، وفي خضمِّ محاولاتنا الحثيثة لتجاوز هذا الحشد بأقلِّ الخسائر إمكانيةً، سمعنا صرخةً مدويةً أرعبت الجميع وأوقفت تدفُّق سيل الأطفال والأمَّهات عن الحركة للحظات، كانت صرخة طفلٍ ضربه زميله على ظهره ضربةً طرحتْه على الأرض. لم نفهم ما حدث مباشرةً، إلاّ أننا بعد أن ساعدنا الطفل المرمي أرضاً على النُّهوض مُجدَّداً واستفسارنا عمَّا حدث، فهمنا أنَّ تدافع التَّلاميذ أجبره على أن يدفع زميله أمامه وداس له على رجله بغير قصدٍ، فما كان من الآخر إلاّ أن ضربه بكلِّ تلك الوحشية مُبعداً إياه عنه. حاولنا قدر المستطاع أن نفضَّ النِّزاع، ودخلت ابنتي مدرستها، وذهب كلٌّ منّا في طريقه.

تابعت المسير قاصدةً عملي، متوجِّسةً من الدُّخول، لأني أعمل في مدرسةٍ أخرى. وأخرجني من هواجسي عراكٌ آخر يدور بين ثلاثة أطفالٍ مشرَّدين متسوِّلين، اثنان منهما يضربان الثَّالث في محاولةٍ منهما لتخليصه من كلِّ ما ناله من غنائم حصل عليها من تسوُّله. توقَّفتُ راغبةً في فضِّ معركتهم غير أنَّ الخوف من شراستهم أرعبتني، ومنعتني فكرة أن ينقضُّوا عليَّ كلّهم معاً، وهو احتمالٌ وارد، من المبادرة بأيّ ردِّ فعل، فأشحتُ بناظري وتابعت المسير.

وصلت إلى باب مدرستي التي أعمل فيها، فرأيت المنظر ذاته الذي رأيته أمام باب مدرسة ابنتي قبل قليلٍ، غير أن التَّلاميذ أخذوا يتدافعون لسببٍ آخر إضافيٍّ هنا، ألا وهو وجودي، فالحمية دفعت بالبعض منهم لدفع زملائهم كي يفسحوا لي مجالاً للدُّخول، ممّا أدَّى إلى معركةٍ جديدةٍ استطعنا، بصعوبة، إيقافها.

في الممرِّ تجمُّعاتٌ هنا وهناك، تناهى إلى مسمعي جزءٌ بسيطٌ ممَّا يدور بين أعضائها من جدالاتٍ غالبيتها تتمحور حول مشكلةٍ هنا وأخرى هناك، دخلت غرفة الإدارة، وإذا بي أرى كمَّاً كبيراً من التَّلاميذ وأهاليهم وكلٌّ لديه مشكلةٌ ما وقد أتى ليجد لها حلاً، من ضمنهم كان ابن جيراننا، فسألته عن سبب وجوده هنا، فأجابني بأنَّه قد ترك عمله وأتى مدافعاً عن أخيه الذي ضربه زميله أمس، أرسلتُ خلف المتخاصمين وإذا بي أُصدم لأنه من المعروف عنهما أنهما صديقان، وأن مزاحاً بينهما قد تحوَّل إلى معركة تشابك بالأيدي، ثمَّ تمزيق ثياب وآثار كدماتٍ على وجه كلٍّ منهما، فأخذتُ على عاتقي أن أكون وسيطاً لحلِّ المشكلة وتهدئة خاطر الأخ الأكبر، وفرض سيطرتي بأن يتصالح المتخاصمان وننهي كل ما جرى دون تدخُّل أطراف أخرى.

فهمتُ من زملائي أن غالبية المشاكل التي تُجبر الأهل على زيارة المدرسة هي من هذا النَّوع، ذهبتُ على الفور إلى المرشد النَّفسي لأساله عن إمكانية الحل والتَّخفيف قدر الإمكان ممّا يحدث يومياً، فما كان منه إلاّ أن رفع يديه تعبيراً عن الاستسلام أمام كلِّ ما يجري، بعد محاولاته الحثيثة لمنع حدوثه، وتحوَّلت الجلسة إلى نقاشٍ بيننا عن الأسباب التي أوصلت هؤلاء الأطفال إلى تشرُّب كل هذا القدر من العنف، وانتهاجهم له وسيلةً لحلِّ أبسط الخلافات وأكبرها، فقال لي: (إن الحرب الكارثية التي عشناها ولم نستوعبها نحن الكبار، كانت المناخ الطَّبيعي الذي تفتَّحت عيونهم ووعيهم عليه، فصار العنف هو الأمر البديهي، مشاهد الدَّمار والقتل والدِّماء المرعبة باتت مشاهد عاديةً بالنِّسبة لهم، فقدان الأهل والأحبَّة دفع بكثيرين إلى الخوف من الآخر وكراهيته ورفضه والانتقام منه، التَّهجير القسري من البيوت والمناطق حوَّل كثيراً من المهجَّرين إلى قنابل موقوتة يمكن لها أن تنفجر بوجه البشرية جمعاء في ثانيةٍ واحدة، طوابير الذلِّ للحصول على المساعدات (الإنسانية)، فضلاً عن برامج الأطفال المُمنهجة لنشر ثقافة العنف بكل أشكاله وأصنافه تساهم في ذلك…). وما كاد يختم حديثه حتى تدخَّلت زميلةٌ لنا فقالت: (لا تنسوا الوضع المعيشي المرعب الذي نعيشه جميعنا، فانعدام الحاجات الأساسية وإجبار هؤلاء الأطفال على العمل بغية مساعدة ذويهم في تلبية أمور الأسرة، وابتعادهم عن عالمهم الحقيقي وعن اللَّعب والاسترخاء، أثناء وقوفهم لساعاتٍ طوالٍ بكلِّ مهانةٍ للحصول على ربطة خبزٍ أو بضع حفناتٍ من موادِّ التَّموين، يجعلهم يشعرون بالحقد تجاه هذا العالم برمَّته، ومن البديهي أن تخرج كل تلك المشاعر على هيئة ما نعيشه اليوم)!

انتهى حديثنا بصمتٍ ثقيلٍ، ودمعاتٍ من القهر يحاول كلٌّ منَّا ابتلاعها، فما باليد حيلة، وليس من إمكانية للحل غير بضع محاولاتٍ من هنا وهناك، إلاّ أنها تبقى مجرَّد ذرٍّ للرَّماد في العيون، ما دامتَ سياسة وأد الإنسان لمَّا تنتهِ بعد، وما دامت محاولات قتل وتدمير كل شيء فينا لا تزال مستمرَّةً على قدمٍ وساق، وبكلِّ دمٍ بارد.

العدد 937 - 25/11/2020