بين طفل يفترش الأرض وحيوان يأكل اللحم الطازج ضاعت الإنسانية

وعد حسون نصر:

هكذا حال الزمان معنا! بات البعض مشرّدين في الطرقات، بينما ينعم بعض الحيوانات بالمنازل الفخمة أمام الشاشة والمدفأة وتأكل أطايب الطعام، وطبعاً الخاسر الأكبر دائماً هو الطفل الصغير الذي نراه بجانب حاويات القمامة أو في وسطها، يبحث عن بقايا الطعام أو العبوات البلاستكية الفارغة وغيرها يجمعها ثم يبيعها، ليتمكّن من مجابهة متطلبات حياته ومعيشته بالحد الأدنى فقط.

في الآونة الأخيرة انتشرت في مجتمعنا ظاهرة تربية الحيوانات الأليفة ضمن المنازل، وبيعها وشرائها بأسعار باهظة، لدرجة أنها باتت تُعامل على أنها فرد من العائلة وأهم من أي شيء، إن فُقِدَت يُدفع لمن يجدها مبالغ قيّمة، وإن أصابها حالة كآبة يُنشر عبر وسائل التواصل مقالات وحالات لمعرفة أفضل طبيب لعلاجها، والمقابل لمن يساعد مبلغ مادي محترم، حتى بتنا أيضاً نلاحظ إعلانات لمحال تهتم بغذاء هذه الحيوانات، ومحال ألبسة وصفحات خاصة بها عبر وسائل التواصل، كذلك تُعرض ملابس خاصة بالحيوانات الأليفة أو مراكز للترفيه لهذه الحيوانات، إضافة إلى محال لأطعمتها الفاخرة، وبالمقابل هناك أطفال منزلهم الشارع وفراشهم الزفت وغطاؤهم السماء وطعامهم بقايا الأكل المرمي على أطراف الطريق، بثياب مُمزقة وحفاة الأقدام أحياناً، وإن كان أحدهم يرتدي حذاء فهو أشبه بمثل القائل( لابس ولكنّه حافي القدمين!). وهنا تكمن المفارقة بين الطفل الشارد في الطرقات عرضة للبرد والشمس والجوع والقهر والعنف بكل أشكاله الجسدي واللفظي والمعنوي، وقطّ أو كلب أو فأر هامستَر مدلّل لا ينام إلاّ بجوار المدفأة شتاء أو أمام المكيّف صيفاً، وأصحاب العطف على الحيوان هم أنفسهم يقسون على ذاك الطفل الشريد ويتحامون مسّه كأنه يحمل معه كل أمراض العالم، وبمجرد لمسه سوف ينقل مرضه لهؤلاء.

لا تفرق المقارنة بين الحيوانات الأليفة والطفل، عن شيخ كبير مُسنّ لا مأوى له يفترش الطريق، وقطّ مدلل ينعم بالطعام المغذي والدفء والحب والرعاية الصحية، فعندما تنعدم الإنسانية عند البعض ويوضع الإنسان بمنزلة أدنى من منزلة الحيوان، وخاصة الحيوان الذي يُربى بهدف التفاخر، وإظهار أن أصحابه هم من أصحاب الطبقة الراقية المخملية لا تأسف على تشرّد أطفال وبيوت هُدِمَت بسبب حروب واتجار، لأننا أصبحنا مجرّد أعداد، مجرّد سلع نُباع كما يُباع أيّ أثاث، أصبح البعض في هذا الزمن يحلم أن يُباع كما يُباع الحيوان الأليف ببلاط الأغنياء، فكم يكون العالم جميلاً وفيه عدالة وسعادة لو يُعامل الطفل الشريد معاملة الرفق بالحيوان عند جماعة البلاط! فاجعلوا في قلوبكم رحمة للطفل الذي أجبره الزمان أن يُرمى في الشارع بسبب والدين لا شفقة في قلوبهم، أو بسبب حرب حرقت الأخضر واليابس ولم تبخل بالتهام البيت والشجر والذكريات والوالدين أيضاً! أحِبّوا هؤلاء الأطفال كما تحبون أشياءكم! أحبوهم كما تحبون حيواناتكم رغم أن هذه العبارة قاسية لكننا نعلم كم تبالغون في حب حيواناتكم الأليفة! ساعدونا لو بالقليل القليل ممّا تطعمونه للقطط والكلاب والسلاحف وفئران الهامستر وسمك الزينة! اجعلوا منّا لوحات تنقل بؤسنا تُعلّق على جدران المعارض لننال المساعدة والثياب والدفء بتبرعات أهل البلاط! فكم هو شيء محزن أن يطلب طفل الرحمة بالتعامل معه لو بجزء ممّا يُعامل الحيوان! أنصفونا بحق السماوات وبحق جميع الأديان فأرواحنا لم تعد تتحمّل الظلم ولا القهر، ولا يدنا تقوى على مصارعة الزمان لضمان حق البقاء! دعونا نعيش بسلام، وإن كان حيوانكم المُفضّل أرقى منّا منزلة وأرفع مكانة! أنصفونا لنرتقي كأطفال مشردين مظلومين بمكانة إلى جانب حيوانكم، وهنا ننال السلام منكم وممّن حولنا، فعندما يصبح الحيوان أعلى منّا منزلة علينا أن نثور ونطالب للوصول لمنزلته، علماً أنني مع الرفق بالحيوان ما دام يحمل روحاً ويتنفس ويشعر مثله مثل أي كائن، لكن يبقى الإنسان الكائن الأول على الأرض الذي نال منزلة ميّزته عن باقي الكائنات، أنصفونا لنرتقي جميعاً نبات وحيوان وإنسان، أنصفونا لننال العدالة جميعاً ونعمّر الأرض لأننا نُكمّل بعضنا بعضاً.

العدد 937 - 25/11/2020