مدارس ما بعد كورونا

ريم داوود:

(أرى الطفلَ مُقتبساً رُوحَــهُ لأبـدأَ أوَّلَ تـــلكَ الدُّروبِ

 فيفرشُ دربيَ بالياســــمينِ تفوحُ به عاطراتُ الطيوبِ

 فأجهلُ كلَّ الذي خبَّأتْ يدُ الغيبِ ليْ من خفايا الخطوبِ

 بريءٌ، وأفعلُ ما أشــتهي ملاك، وأجهلُ معنى الذنوبِ)

منذ منتصف آذار الماضي أوصدت المدارس أبوابها مكتفية بالسماح لطلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية بالدخول إلى أروقتها لأداء الامتحانات النهائية، فقد أجبرت جائحة كورونا معظم الدول على إغلاق مدارسها، فحُرم الأطفال في سن حرجة ميزة التعليم.

(مدارس ما بعد جائحة كورونا) أربع كلمات لخّصت حال التعليم للعام القادم، وأيُّ حال هو ذاك التعليم؟ بقرار مزدوج من الفريق الحكومي المعني بالتصدي لجائحة كورونا ووزارة التربية افتتحت   المدارس بتاريخ ١٣/٩/٢٠٢٠ وسط تخوّف وقلق شديدين من قبل الأهل والمعلمين وحتى من قبل وزارة الصحة.

لقد أثارت دراسة صغيرة نُشِرَت في تموز الماضي مخاوف كبيرة، فقد أظهرت الدراسة وجود كميات كبيرة من فيروس كورونا في الجهاز التنفسي العلوي لدى الأطفال، الذي يُشكّل عاملاً كبيراً في نقل العدوى وانتشارها بغضّ النظر عن تأثيره على الطفل أم لا، وتُشير الدراسة إلى أن الأطفال يحملون كميات من الفيروس تفوق ما يحمله البالغون بـ١٠ أمثال إلى ١٠٠ مثل!

 والسؤال هنا: هل خوفنا من هذا الوباء مقتصرٌ على صحة وحياة أطفالنا خاصة بعد التصريحات التي بيّنت أن تأثير الفيروس على الأطفال يكاد يكون طفيفاً؟ أم أن خوفنا الأكبر هو مساهمتهم المضاعفة في نشر وباء حصد الآلاف من الأرواح ولا يزال حتى الآن.

لقد أصرّت وزارة التربية على افتتاح العام الدراسي رغم ما تشهده البلاد من انتشار واسع لهذا الفيروس أمام إمكانيات صحيّة ضحلة، فما هي الاجراءات الوقائية التي اتخذتها الوزارة وأيّة خطوات احترازية طُبِّقَت، ونحن نعلم أن المدارس تضم من الأطفال ما لا يقلُّ عن ٥٠ طفلاً في الشعبة الواحدة. إننا نعلم كل العلم ولدينا من اليقين ما يكفي بأن انقطاع الطلاب عن الدراسة وإيقاف المدارس ليس حلاً لهذه المشكلة، ونعلم أيضاً أن انقطاع الأطفال عن التعليم في هذه السنٍّ الحرجة مشكلة أكبر، ففي ظلّ الحجر الذي طُبِّقته الحكومة والذي من ضمنه إغلاق كل الفعاليات والنشاطات، لم يعد أمام الأطفال خيار سوى الشاشات الإلكترونية، شئنا أم أبينا هذا هو الواقع.

لقد فرضت جائحة كورونا نمطاً من الحياة له من السلبيات ما له من الإيجابيات، فقد اعتاد العامة على النظافة والتعقيم بشكل دوري والعناية بالصحة العامة واتباع قواعد صحية سليمة، لكن في الوقت نفسه تجلّت سلبياتها على الواقع الاقتصادي والاجتماعي والصحي، كما تجلّت في واقع التعليم أيضاً، فقد شهدنا كثيراً من الدول ممّن ابتكروا آلية التعلّم عن بعد، وأمّنوا مستلزماتها للمعلمين والمتعلمين، والصين بادرت بتطبيقها كحلٍّ مؤقّت لضرورة استكمال الطلاب تعليمهم، فما هي إجراءات وزارة التربية في ظلّ ما نشهده اليوم وخاصة بعد ظهور عدد من الإصابات بين صفوف التلاميذ والمدرّسين؟ ونحن لا نزال في الشهر الأول من العام الدراسي نتساءل عن الآلية التي تمّ اتباعها للحفاظ على سلامة أطفالنا ومجتمعنا خصوصاً بعد إغلاق ما يقارب الـ٤٠ صفاً، وهل ستكون الخطوات التالية مقتصرة على إغلاق الصفوف أم ستكون إغلاقاً تامّاً وإيقافاً للعام الدراسي؟ وفي حال تمّ ذلك، ما هي الجهوزيات والبدائل المطروحة لتأمين الفاقد التعليمي للطلاب؟ إننا اليوم أمام مفارقة كبيرة وتخوّف أكبر، فمن جهة ينتابنا الذعر على صحة أبنائنا ومن جهة أخرى نحن قلقون أشدّ القلق على مستقبلهم العلمي وتحصيلهم الأكاديمي، فهل من حلول تلوح في الأفق، وهل من استراتيجيات مدروسة، أم أننا أمام واقع مجهول؟

العدد 933 - 28/10/2020