نحن من يستجلب مسبِّبات التَّخلُّف الاجتماعي

إيناس ونوس:

بعد أن استقرَّ الإنسان الأول، وأخذ يلاحظ ما يجري حوله، بات يُعمل العقل لتفسير مسبِّبات أيَّة ظاهرةٍ أو أي سلوكٍ من قبل الطَّبيعة نحوه، ورويداً رويداً تطوَّر هذا الإنسان وتطوَّرت أدواته في محاولة الاستكشاف والتَّفسير تلك، غير أنَّه بقي عاجزاً جاهلاً أمام كثير من الظَّواهر، فصار يُرجعها إلى قوى خفيّة على أنَّها السَّبب بما يجري، وهكذا بدأت تنتشر الشَّائعات والخرافات في حياة الناس، هناك من يتقبَّلها بكلِّ قناعةٍ، ويدافع عنها، لعجزه عن التَّفسير، وربَّما لتمسُّكه بخيطٍ واهٍ من الأمل ينقذه من بعض المشاكل التي يعلق بها، وهناك من يرفض كلَّ هذا وذاك متعلِّلاً بأن وراء كلِّ فعلٍ أو ظاهرةٍ سبباً رئيسيّاً ومسبِّباً هما المسؤولان عمَّا يحدث.

ولا نزال حتى يومنا هذا متمسِّكين بالعديد من الخرافات والعادات الاجتماعية التي بنيت على أساسها، بعضٌ منها ارتبط بالعقائد الدِّينية، وبعضها الآخر ارتبط بالسُّلوك الاجتماعي، في حين أنَّ مردَّ كل هذا يعود لجهل الإنسان بالمسبِّبات من جهة، ورغبته بالخلاص من جهةٍ أخرى، ولا يقتصر الأمر على النَّاس البسطاء في تفكيرهم ونظرتهم إلى الحياة، بل يتعدَّاهم وللأسف الشَّديد ليتملَّك أصحاب الشَّهادات الجامعية والكوادر الذين من المفترض أنهم يحكّمون العقل والمنطق بدلاً من أن ينسبوا كلَّ ما يجري لقوى الجان، اعتماداً على ما رسمه عقل الإنسان الأوَّل المحدود في ذاك الحين.

كنت أسمع من جدتي ومن قريناتها أقوالاً مثل: (لا تتركي المقصَّ مفتوحاً فهو يجلب الشُّؤم! لا تقصِّي الشَّعر ليلاً، وزِّعي الملح في أرجاء المنزل بعد تنظيفه ليطرد الأرواح الشِّريرة ويكسر عين الحسود، لا تقربي من أعمال المونة والطَّبخ وأنت في فترة الدَّورة الشَّهرية فستخرب، لأنَّك لست طاهرة، لا تعطي ثياباً قديمة من عندك لأشخاصٍ تعرفينهم فسوف يكتبون لك ويعملون بك سحراً … إلخ)، وكنت أفكِّر في كلِّ جملةٍ ممَّا سبق، وأربطها بسلوكياتٍ وتصرُّفاتٍ مرافقة، وأبحث عن السَّبب الحقيقي وراء كلٍّ منها، فلم أقتنع بأيٍّ منها، فما الضَّير إن قصصت شعري وتبرَّعت به لمرضى السَّرطان مثلاً ليستخدموه بعد أن فقدوا شعرهم نتيجة العلاج الكيماوي؟ وما المشكلة إن وزَّعت ثيابي القديمة وثياب ابنتي لمن يمكنه الإفادة منها وهو غير قادرٍ على أن يشتري؟ أو ليست هذه الأعمال ستعود عليَّ وعلى غيري بالنَّفع؟

غير أنَّنا مهما امتلكنا من الوعي والتَّحليل المنطقي، وانطلاقاً من رغبتنا في معرفة القادم المجهول، لا نزال نستمتع بجلسة تبصيرٍ في فنجان القهوة علَّه يستحضر لنا بعضاً من الخير والفرح الذي نترقَّبه، وبعضاً من الأمل الذي نتشبَّث به لنبقى صامدين في هذه الحياة، أو نوصي على رقيةٍ من هنا أو هناك رغبةً منَّا في حماية أنفسنا وحماية من يهمُّنا أمرهم من شرِّ الآخرين وحسدهم، وخوفاً من المرض وكلِّ ما لا يمكننا أن نمنع وقوعه أساساً، فحتى الآن لم يستطع الإنسان تفسير كلِّ ما يجري حوله، إضافةً إلى لجوئه للقوى الخفية يرجع إليها ضعفه وعجزه حينما يشعر بأنَّه لا حول له ولا قوة. لكن ما يثير القلق اليوم هو عودة هذه المفاهيم وبقوَّةٍ أكثر من ذي قبل ونحن في القرن الحادي والعشرين، وبعد كل التَّطور التِّقني والعلمي والتَّربوي والاجتماعي الذي يعيشه العالم برمَّته، لاسيما في مناطق كمنطقتنا عاشت ولا تزال تعاني الدَّمار والموت ووأد الحياة، ومن قبل أكثر الأشخاص وعياً وتحصيلاً دراسياً، فالمقلق في الأمر هو قدرة الإنسان على الفصل لهذه الدَّرجة بين التَّحصيل العلمي والتَّطور التِّقني الذي يستخدمه في شتَّى الأمور الحياتية، وتمسُّكه بالمعتقدات التي نشأ عليها واستحضاره لها عند الحاجة أو الفراغ أو الفشل أو المرض، فكثرت زيارات الشُّيوخ الذين يستحضرون الجان ويعملون السِّحر مقابل مبالغ طائلة، وها هنَّ البصَّارات ينتشرن في الطُّرقات منادياتٍ بعباراتٍ مغريةٍ لجذب الزَّبائن، إضافةً إلى عمل التَّيارات الدِّينية وتركيزها على هذه الجوانب وبثِّ المزيد من الهلع والخوف من الإله الذي من المفترض أنه خلق البشرية ليجعلها تعيش بسلام وأمان، وأنَّه رحيمٌ ومحبٌّ لعباده، وذلك من أجل ضمِّ هذه الجموع تحت عباءات رجال الدِّين وتسييرها بالشَّكل الذي يناسب أولي الأمر ويتوافق مع مصالحهم المباشرة، من خلال إلهاء الناس بأمورٍ بسيطةٍ مقابل عدم تفكيرهم بأمورٍ أهمُّ وأعمق تجري من خلف السِّتار أو في حلكة اللَّيالي.

يبدو أننا عدنا إلى عصورٍ ظننّاها مضت واندثرت، فوجدنا أنفسنا أمام مشكلةٍ اجتماعيةٍ بنيويةٍ يتجدَّد تجذُّرها، وبات لزاماً علينا الإفادة ممَّن سبقونا في الماضي لنتمكَّن من الوقوف بوجه هذه الموجة الكارثية المدمِّرة للعقول والمجتمع، والتي ستقف بوجه أيِّ تطوُّر قد يكون، في وقت نحن بأمسِّ الحاجة إليه للخروج من شرنقة التَّخلُّف التي تلفُّ عقولنا قبل أجسادنا.

العدد 932 - 21/10/2020