سوق بلا تسويق!

د. أحمد ديركي:

لم يغب يوماً مفهوم (السوق) عن تاريخ البشرية منذ أن عرفت فائض الإنتاج عن الحاجة الاستهلاكية للفرد، أو عمل الجماعة لإنتاج حاجاتهم الاستهلاكية.

مفهوم تشكّل منذ بدايات تشكل أنماط الإنتاج التي عرفها التاريخ البشري وتطور مع تطور الإنماط الإنتاجية وصولاً إلى نمط الإنتاج الرأسمالي.

انطلاقاً من قانون دينامية المجتمعات البشرية المنعكسة في ديناميات أنماط الإنتاج لم يبق مفهوم (السوق) على حاله عبر المراحل التاريخية للبشر ولو بقي على حاله لانقرض، بل تطور معها ليصل إلى صيغته الراهنة.

السوق بالمبدأ بقعة جغرافية محددة تعرض فيها السلع للتبادل ما بين المستهلك والمنتج. تعريف، أو بالأصح محاولة موجزة لتعريف مفهوم (السوق) تحمل الكثير من إهمال تفاصيل وتفسيرات، ويمكن هنا لأسباب اختصارية، إهمالها ولو بشكل مؤقت.

يعتبر (السوق) أحد الركائز الأساسية في نمط الإنتاج الرأسمالي، وأصبح السوق أكثر ارتكازية بالصيغة الراهنة لنمط الإنتاج الرأسمالي، التي يطلق عليها البعض تسمية (العولمة) والبعض الآخر يطلق عليها (النيو-ليبرالية).

من المهام الأساسية المضافة، حالياً، إلى مفهوم (السوق) إقناع المستهلك بأن السلعة المعروضة للاستهلاك لا يمكن الاستغناء عنها وتمثل حاجة (معيشية)، إضافة إلى أنها (ترقّي) المستوى الاجتماعي لمستهلكها وإن كان فعلياً دون هذا المستوى.

مسألة إقناع المستهلك، أو المستهلكين وهي الأصح لأن الإنتاج كما الاستهلاك جماعي لا فردي، باستهلاك سلعة معينة، بمعنى إقناعه باختيار هذه السلعة لا تلك، في ظل وجود العديد من أصناف السلع عينها، والأمثلة كثيرة، من أصناف الأرز والسكر وصولاً إلى أصناف السيارات والطائرات، هي مسألة معقدة متشابكة يدخل فيها عوامل متعددة من السياسي إلى الاقتصادي إلى الاجتماعي.

لمعرفة مدى (تطور) سوق عن آخر يمكن دراسة خواص السوق في بلدين مختلفين والمقارنة بينهما آخذين متغيراً واحداً (التسويق) لمعرفة مدى (تطور) السوقين، وبخاصة بعد أن تحولت (الأسواق) من أسواق محلية إلى إقليمية ومن ثم إلى عالمية مع (النيو_ ليبرالية) التي اعتمدت في بداياتها على مقولة (العالم قرية صغيرة).

فلم يعد (السوق) مقتصراً على (بقعة جغرافية محددة)، بل الدول بذاتها أصبحت سوقاً. وما مسألة (جذب الاستثمارات الأجنبية) لتستثمر في بلد ما إلا أحد تعابير ولوازم (السوق العالمية) لتستكمل (النيو-ليبرالية) تسيدها على بقية العالم.

فأصبح مفهوم (السوق)، مع هذه التطورات الملحقة به، حقلاً معرفياً يبدو للوهلة الأولى وكأنه حقل مستقل بذاته ويعمل لذاته، حقل مستقل عن بقية المعارف والعلوم يحمل موضوعه الخاص ليختص به من يشاء. اختصاص يعرف بـ(التسويق) (marketing) موضوعه معرفة أفضل السبل العلمية لتسويق سلعة ما.

لكن (السوق)، و(التسويق) ضمناً، ليس كما يبدو عليه في الوهلة الأولى، بل هو جزء لا يتجزأ من بنية نمط الإنتاج الرأسمالي، ومع تطور هذا النمط إلى صيغته الراهنة (النيو-ليبرالية) وتطور العلوم برمتها والحاجة إلى تداخل العلوم (interdisciplinary)، مع الأسف ما يزال (العالم الثالث وما دون) يعتمد على تفريع العلوم وفصلها بعضها عن بعض وبشكل مشوه في أنظمتها التعليمية رغم أن (العالم المتطور) بدأ بتطوير مناهج تداخل العلوم، لاستكمال تطور نمط الإنتاج بصيغته الراهنة أصبح (التسويق) يعتمد على العديد من العلوم، ومنها على سبيل المثال لا الحصر علم الأعصاب. يستخدم (التسويق) النتائج العلمية لعلم الأعصاب ويوظفها في الشكل الخارجي للسلعة، إن كان من ناحية لون غلاف السلعة أو شكلها أو الرسومات أو طريقة العرض أو … اعتماداً على أي لون، أو شكل أو رسم … تلتقطه العين البشرية أولاً، وكل هذا في سبيل الجذب، والجذب هنا ليس بالمصطلع العشوائي بل جذب يعتمد على دراسة عمل الدماغ البشري، انتباه المستهلك لهذه السلعة المتنافسة مع تلك.

كان هذا مثالاً عن تداخل العلوم الطبيعية مع (التسويق)، أما بالنسبة لتداخله مع العلوم الإنسانية فهناك مسألة ثقافة الاستهلاك و(الترقي) الاجتماعي الذي يتوهمه المستهلك، وجميعها يتعلق بعلم الاجتماع، والتأثيرات النفسية للبضاعة على نفسية المستهلك والانطبع والتحفيز النفسي وإثارة الغرائز البشرية، وهي أمور تتعلق بعلم النفس، ومسألة الموروث التاريخي وتوظيفه في عملية استهلاك سلعة ما وغيرها وغيرها.

أي إن (السوق)، و(التسويق) ضمناً، لم يعد مجرد عرض سلعة للاستهلاك، وقد يكون هذا التعقيد الناشئ بمسألة (السوق) و(التسويق) مرتبطاً بنيوياً ببنية اخرى في نمط الإنتاج الرأسمالي ألا وهي التنافسية.

من هنا يمكن القول: عند غياب التنافسية يغيب (التسويق) لا السوق. وجود سلعة (واحدة) للاستهلاك ما من حاجة (للتسويق)!! ويعود هذا إلى غياب وجود منافس لهذه السلعة فيقع (السوق) بـ(الاحتكارية)!! أي سوق بلا تسويق!!

والاحتكارية ليست بعيدة عن نمط الإنتاج الرأسمالي، وإن كانت (التنافسية) ضمن بنيته الأساسية. فـ(الاحتكارية) تعيدنا إلى معرفة مدى تطور هذا النمط الإنتاجي في كل بلد، وهذا أكثر ما يمكن مشاهدته في بلدان نمط الإنتاج الكولونيالي وبخاصة على المستوى المحلي داخل البلد. ففي هذه البلدان تشتد (الاحتكارية) ولا تنافسها (التنافسية) إلا من خلال (الاحتكارية)، مع لحظ أن (الاحتكارية) و(التنافسية) لا تنحصران في مسألة (السوق) و(التسويق) لأن نمط الإنتاج الرأسمالي بكل صيغه لا يقتصر على الاقتصاد فقط وإلا وقعنا في فخ الاقتصادوية!      

العدد 928 - 23/09/2020