فجوات بكل الاتجاهات

الدكتور سنان علي ديب:

عندما نشخص واقعنا بدقة نرى هناك ثغرات ومسافات وسدوداً بين ما يجب وما هو كائن، بين ما يتمنى والواقع، بين ما يحتاجه الوطن وما يقدم له، فتكون هذه الفجوات هي العنوان وهي ما يطفو فوق السطح وما يغرق في الأعماق، حتى غدا عنوان فجوات وفجوات يليق بما يمكن أن يعبر عن الحال. وأول هذه الفجوات التي لم تتبدل قطّ هي بين المواطن والمسؤول في السلطة التنفيذية، فما نسمعه من ضجيج عن أن المواطن هو الهمّ والاهتمام نفاجأ به في التنفيذ الذي يتجه عكس الكلام، ويكبر همّ المواطن ومعاناته. فكثيراً ما نسمع عن تحسين مستوى المعيشة، وعن الاستثمار الصحيح للموارد، وعن تثبيت الأسعار وتخفيضها، ونفاجأ بالعكس ونجد فجوة كبيرة بين ما سميت وزارة حماية المستهلك ودورها المنوط بها، فيصرخ المستهلكون إنها تحمي التجار وتدار بأهوائهم وما زالت، ونصل إلى فجوة كبيرة بين التاجر والمستهلك. التاجر الذي لم يتوانَ عن رفع أسعاره وإخفاء بضائعه مع كل إشاعة مسربة بأن سعر الصرف سيلعب به ويرتفع، ويمتنع عن تخفيضها عندما يهبط السعر، وتستمر الفجوة والنظرة السلبية اتجاه أغلب التجار، ويكرس بعضهم أسلوب الاحتكار الذي طالما تغنى البعض بأنهم ضده وهو أكبر مرض لأي نهج اقتصادي، ولكن هيهات! فالفجوة بين المنافسة والاحتكار زادت أضعافاً.

وتبقى الفجوة بين المواطن والإعلام متغيرة تبعاً للأهواء وتبعاً للمجال والنوع.

وتصل فجوة الثقة بين المواطنين الذين انجرّوا للإيمان باتساعها تبعاً للتضليل وللمعيشة وللمصالح الفردية والغرائزية التي كانت أهم مقاصد ما سمي العولمة، وكذلك فجوة الثقة بين من يجب أن يكونوا متجانسين في تموضعات يجب أن تسخر لخدمة الوطن، وتكون الفجوة بكل الاتجاهات والتخندقات.

وما دمنا نتكلم عن الفجوات فلا بد من التطرق لأقساها وأكثرها سلبية، وهي الفجوة بين متطلبات الأجور والدخل، التي تتزايد باستمرار بين دخل محدود للأغلبية من موظفين مدنيين وعسكريين، وارتفاع أسعار مستمر مجهول الهوية، فقبل يوم من التجديد الحكومي نفاجأ بأسعار الاسمنت وتعرفة الخليوي، وتبعها الدخان ونجهل ما يليه، ونكون في ظل فجوة المعرفة التي ذهبت بنا إلى الإشاعات والتخمينات.

ونذهل ونخاف من فجوة لا نتمنّاها: نيّة زيادة الأجور، وهي فجوة كبيرة بين ما يجب أن يكون وما يحدث فعلاً.

فلم تثمر أي زيادة سابقة تحسيناً لمعيشة المواطن، وإنما زادت فجوة المعيشة وسط فوضى الأسعار وتعجيز التدخل وترقب سعر الصرف، ويكون أي حديث عن رفع الأجور زيادة خوف المواطن من الفقر والعوز والجوع وزيادة الفجوة بين الخوف والأمان.

وأخيراً وكما احتوى التوجيه الأخير للحكومة بالانفتاح على الإعلام وما يحمله من أمور قد يراها المسؤول سلبية لفجوة بعده عن الواقع، وقد تكون إيجابية وتحمل له حلولاً إن كان ممن لا يقبلون فجوة بين واجباته وممارساته.

ومن ذلك الإسراع بالإصلاح الإداري وردم الفجوة الكبيرة بالتعيينات بين الكفاءة والمهارة والنزاهة، والمحسوبيات والدفع وغيره.

وردم الفجوة بين القانون والفساد، الفجوة التي طالما كبرت ككرة الثلج.

ومن دون ردم هذه الفجوات، زادت الفجوة بين المواطن والوطن، وهي لليوم هامشية محدودة، وبين ما سنفرضه وما يفرض علينا.

وردم الفجوات لا يأتي بالتنظير والتمني وإنما بالسلوك والمتابعة والمحاسبة.

وكلما كانت الفجوة بين المواطن والإعلام معدومة كان ذلك دليل واقعية وشفافية وصدق ومصداقية الإعلام.

العدد 928 - 23/09/2020