المتة… وما أدراك ما المتة؟!

إيناس ونوس:

كنتُ في الصف السابع حينما سمحت لي والدتي أن أشرب المتة، يومذاك.. شعرتُ بأنّي أصبحتُ كبيرة، ومنذئذٍ صارت رفيقة صباحاتي ومساءاتي، أعدِّها صباحاً قبل الذَّهاب إلى المدرسة، وكم أسعدتني جارتنا حينما رتَّبت برنامجها ووقتها بأن تشاركني بضع رشفاتٍ منها متناغمةً مع صوت فيروز يصدح في صحن الدَّار قبيل ذهابها إلى عملها، وشيئاً فشيئاً باتت المتة ترافقني في كل أوقاتي، أستمتع بإعدادها واحتسائها وحيدةً، فيفيض سيل أفكاري ويأخذني هنا وهناك، وما إن يأتينا أحد الضُّيوف حتى أهمّ بإعدادها مُجدَّداً، فهي المُعبِّر الأول عن حبي وترحيبي بالنَّاس.

صديقة الدِّراسة في كلِّ مراحلها، رفيقة الرِّحلات والمشاوير، مؤنسة اللَّيل بعد نهارٍ شّاق، أمّا الكأس الأولى في الصَّباح فلها نكهةٌ أخرى، ما إن أستيقظ حتى أهرع إلى الإبريق أضعه على الغاز كي يسخن، بينما أنشغل بغسل وجهي وأموري الخاصة استعداداً لاستقبال يومٍ جديد، بطقسٍ يتكرَّر كلَّ يومٍ لكنَّه يرفض أن يخضع يوماً للروتين، أجلس لأحتسي بضعة كؤوسٍ منها مع أول سيجارةٍ، فأشحن طاقتي انطلاقاً إلى يومي وكلِّي حماس واندفاع.

هي وحدها من تتنصَّت على كل أحاديثي وأسراري مع أمي، وأختي، وإخوتي، وكلِّ واحدةٍ من صديقاتي المُقرَّبات، وحتى في كثيرٍ من جدالاتنا سواء السِّياسية أو الاجتماعية، وفي سهراتنا حين نحوم حولها نشاهد فيلماً أو مسلسلاً أو برنامجاً مفضلاً… كانت ولا تزال علامةً فارقةً لي عند البعض، اقترنت بي واقترنتُ بها، حتى أن إحدى صديقات العمر الهارب قد خصَّصت لمتّتي ركناً في مطبخها علماً أنها لم تتذوَّق طعمها يوماً، قبل أن تهجر بيتها ووطنها وتصبح في عداد اللاجئين.

وأنا أعدُّ حقيبة سفري منذ بضع سنوات، كانت المتة أول من استفسرتُ عن إمكانية توافرها وكيفية الحصول عليها، فهي لا تزال الصَّديقة اللَّدودة التي نختلف أنا وهي كثيراً، ونتوادد أكثر، تنبِّهني في كثيرٍ من الأوقات إلى حالتي النَّفسية المرهقة، وتعبِّر في وقتٍ آخر عن مدى راحتي وسعادتي، حتى أننا قد خصَّصنا في منزلنا لكل فرد كأسه الخاصة به لا يشاركه أحد آخر بها، على الرغم من أنها لم تعد مشروباً رخيص الثمن لمن يماثلوننا بالوضع المعاشي، وبالرغم من محاولات التقشّف في احتسائها _ والتي ساهمت بتوليد المزيد من اللهفة لأن أنجز ما عليَّ من أعمالٍ حتى أكافئ ذاتي بالارتواء بعدّة كؤوسٍ منها _، إلاّ أنها تبقى الصديق الوحيد المفضَّل.

في الوقت الذي تختلف طريقة تحضيرها من جلسةٍ إلى أخرى، فمع البعض أشربها بكأسٍ واحدةٍ فتضفي على الجلسة تشويقاً أكثر وعلى العلاقة حميميةً بلذةٍ إضافية، بينما يكون لكلٍّ منا كأسه في جلساتٍ أخرى، نزيد متعتها بإضافة نكهاتٍ متنوعةٍ ومختلفة… إما بتقطِّيع قشور الليمون قطعاً صغيرة لتتخلّل الكأس، أو بوضع بعض الأعشاب البريّة للإفادة من قيمتها في مقاومة أمراض الجهاز التنفسي لاسيما في الشتاء.

ستبقى المتة مشروب الفقراء والأغنياء، مهما حاول تجّار الدم مؤخراً تحويلها لمصدر قلقٍ ماديٍّ إضافي…. ستبقى إحدى ملامحي، وستبقى ملاذي لشحن طاقتي مع كل نكسةٍ جديدةٍ أو ضحكةٍ جديدة.

العدد 928 - 23/09/2020