المشهد الأخير

غزل حسين مصطفى:
للمرّة الأولى، دخلتُ من ذلك الباب الحديديّ، فكان كلّ شيءٍ صامتاً، هناك وقبل أن أخطو خطوةً واحدةً نحو الدّاخل أدركتُ، أن هذا المنزل قد شعر بأصحابه وجُرّد من روحه صباحاً.
بينما كنّا ندخل وصوت الحياة فيه مسموع على بعد أمتار عدّة، تستقبلك شجرة الليمون الصّغيرة مجاورةً لأشجار الزّيتون، ثمَّ تتمايل مبتسمةً وريقاتُ النّعنع عن يسارك في تلك (المسكبة الصّغيرة) وتزغرد أنواع الورد المختلفة فتجذبك لألوانها قبل أن تخطف قلبك عناقيد العنب (أصابع العروس) المشكوكة على الدّالية، مستنداً على شجرة سروٍ زرعها والدي في صباه.
هناك ضجيج ضحكات الأرض يُنعش الجو ويخلق جوقته.
في ذلك الصّباح كان كلّ شيء غريباً، وكأنّي أراه للمرة الأولى، دخلت منزل جدي كغجرية غريبة، خُطاي مُتردّدة تائهة، وقلبي يرجف، فلست أدري ماذا بعد، ولا أحجار لي أضربها على منديلي، فتلهمني بصيرتي ببعض التّوقعات المستقبليّة!
فجأة قُذف قلبي بصخرةٍ أعادتني خطواتٍ عدّة نحو الخلف، فتمسكتُ بحبل غسيل.
في ذلك المكان المعهود لـ(جلسة المتّة الصباحيّة) كان جدّي للمرة الأولى وحيداً من غيرها، ربطت على قلبي واقتربت منه، وليتني لم أفعل، كانت الدّموعُ تغسلُ وجهه ونار الفراق تلهب أجفانه حتّى استحال الأزرق في عينيه إلى بركانٍ من شعيريات دموية تتحيّن لحظة مناسبة لتتفجّر.
يُمسك بالإبريق، يُعيد تعبئة كأس المتّة خاصته، يرفعها ويقول: ( يا نايفة تركتيني ورحتي، مع مين بدي كفّي هالعمر؟!)
جملٌ عدّة أكثر قسوة وأشدُّ مراراً كانت تخرج من جدّي يرثي بها جدّتي في لحظات وفاتها الأولى.
جلست مقابله مرّكّزةً في عينيه، أقسم إنني شعرت بقلبي يعضّ نفسه، كانت المشاهد تمرّ أمامي وتحرق مدمعي هنا على هذا المصيف، وهو قطعة مرتفعة عن بقية أجزاء هذه الفسحة السماوية لذلك المنزل الرّيفيّ مُكلّلة بالأشجار، كانت مشاهد لجلسات المتّة عامرة بناسها، كاسات عدّة قد لا تُعد، تدور بينهم مع الأحاديث العابرة.
تتوالى المشاهد مسرعةً وتضعني في صباح أحد الأعياد، والكلّ هنا، لا تستطيع أن تُميّز من المتحدث، ثمَّ مشهدٌ آخر في ليلةٍ صيفيّة، وبعد نهارٍ طويل والكلّ تقريباً نيام، كانت جدّتي لأبي  _رحمها الله_ تخطو بهدوء مستندةً على عُكازها، قاطعتها: إلى أين؟ قالت: نحو المطبخ، أريد أن أجهزعدّة المتّة لجدّك، ليستيقظ صباحاً فيجدها بجانبه، أخاف أن ينهض من نومه قبلي.
كانت تلك الجملة عفوية تُعبّر فعلاً عمّا تُريده جدّتي، لكنّها أثّرت في وجداني كثيراً، فأنا تعنيني التفاصيل، قاطعت خطواتها وقلت لها: سأفعل ذلك بنفسي، عودي إلى فراشك! لم أتوقّع أن تكون المهمة تحتاج لإيعازات، فقد باغتتني جدّتي بمجموعة إرشادات حول أماكن تموضع الأغراض والكأس الذي يفضّله جدّي، والمكان الذي سأضعها فيه.
ثم ينتقل بي المشهد إلى صوت جدّتي وهي تقول: (أوّل ما بيجوّش الأبريق بتطفي الغاز!) قاصدةً بذلك صوت الماء المُعرّض للحرارة.
شيّعنا جدتي يومذاك، وشيّع المنزل روحه كذلك، وبعدها أغلق كتابه نهائياً ووضع نقطة في آخر السطر، حين غاب عنه صوت جدّي يُغني: (نخّ الجمل قومي أركبي يا نايفة!) صارت الحكايا في ذلك المنزل مجرّد ذكرى لا أكثر، تُحدثك بها كاسة المتّه والجدران الّتي شهدت على الكثير الكثير في هذا المنزل البسيط.
غيّب الموت جدّاي، وهاجر بقية أبطال تلك المشاهد، وبقيت المتّه شريكة كلّ صباحاتي وساعات دراستي، في كلّ صباح قبل أن أغسل وجهي، أتجه نحو المطبخ وأترك الإبريق على النّار يتحضّر لجلسته الطّويلة معي، يسألني والدي كيف أشرب المتّة بهذه الدرجة من السخونة، فيأتي الجواب: (ستّي_ الله يرحمها_ بتقول: بس ليجوّش الأبريق).
ترسم لي تلك الكأس الخضراء في لحظات شرودي وجه جدّتي، أو تسندني بدفء المشاعر لجلسةٍ عائليّةٍ في الماضي تمرّ في ذاكرتي المتعبة لتنعشها.

العدد 929 - 30/09/2020