دون عنوان

غزل حسين المصطفى:

(الأطفال هم بذار هذه الأرض، تتكاتف كلّ العوامل في صلاح البذار وتحوّلها إلى نبتٍ مُخضر ومنتج، لكنّ الفلاح مُمثّلاً بالأهل هو المسؤول الأول…). كلمات بسيطة وتشبيه يليق بفتاة صغيرة لم تتجاوز عامها الثامن، على دفترٍ مدرسي عتيق وفي أوّل الصّفحة كَتبتُ هذه الكلمات، كنتُ حينذاك مؤمنة بما أكتب. اليوم وبعد مرور سنواتٍ طويلةٍ، في بداية الأمر ضحكتُ بعفويةٍ على ما قرأت، لكن ما هي إلاّ أجزاء من الثانية حتّى استدركني السؤال: (ما الذي يدفعك للضحك أو حتّى للابتسام؟!)
رددتُ بسرعةٍ، ربما على براءة تفكيري أو أنّ مشهداً ما لنفسي حين كتبت هذا لمع في ذاكرتي، فابتسمتُ لطفلة صغيرةٍ مرّت بي.
جلست إلى نفسي نتحادث، وريح الشّفقة تعصف بأوردتي، لتاريخٍ حافل بالألم، لمشاهدٍ مأساوية تنقش في أرواحنا الأسى وترافقنا مدى الحياة.
كبرتُ ومشهد (محمد الدرّة) يعتصر قلبي، والقضية الفلسطينيّة هي شغلي الشاغل، لكنّ هذه الحكاية ما برحت أن تحوّلت ونمت إلى صبرا وشاتيلا، حرب تموز، وأحداث العراق وقضايا مجتمعية ووو….الخ، فالقائمة تطول.
طفلةً صغيرة جداً كنت، لذلك قد تكون تلك المشاهد نسيماً من رمادٍ في ذاكرتي، لكنّها صنعت في الروح نُدوبها، في الوقت الذي يُفترض أن أتعرّف على الكوكب والعالم بالألوان وأجنحة الفراشات وعيون عصافيرٍ طيّارة، وبكلّ أسف كانت المشاهد مغايرة تماماً.
اتخذتُ حينذاك ألم الأطفال على عاتقي وأوراق دفاتري من عدّة سنوات، إذ تشهد معلمة المدرسة، التي إلى الآن أسمع همسها في أذني حين وقفت لتُكَفكِفَ دمعي وأنا أقرأ موضوع التعبير حول حقوق الإنسان أمام أقراني.
نعم، إلى هذا الحد كانت إنسانيتي طاغية، وكنتُ مُصدّقة بالتغيير.
هي السّنون تمضي وتمضي، والتفاصيل تكبر معنا، تتّسع مع وعينا. وها أنذا في خضمِّ تفتّح أوراقي (كما كُثُر) انطلقت الحرب السورية، فتاهت من يدي أوراق دفاتري العتيقة وأصبحت جدران المنازل المتهالكة هي دفاترنا الجديدة، بالدمع.. بالدم كتبنا، عن قذائف وانفجارات، عن قرحة معدية أكلت منّي أشهراً من عمري بين عيادات الأطباء وأكياس الدواء.
ورغم كل المساومات وأكلي ما لذّ وطاب، مازالت ذاكرتي تحتفظ بمرارة تلك الحبوب، أقسم إنّها كانت بكل الألوان والأشكال.
وسيناريو الألم مازال يُقلّب صفحاته في تاريخنا.
لكنّ الشعور الأصعب كان حين نظر أخي الأصغر إلى صورٍ قديمة لي وبدأت أحكي له عن طفولة بعيدة العهد وتفاصيل الشغب، قاطعتني عيونه الخضراء بغصّتها ودمعةٍ لم تخرج قائلاً: أنتم تذوقتم الحياة ببعض السّنوات والتفاصيل من غير دخان، أنا أحسست أن بصدري قلباً حين بكيت والديّ المحاصرين بعيداً عنّا وصوت الرصاص يُحطّم كلّ شيء.
رباه ماذا أقول بعد!؟
كان كلّ الأمل أن تنتهي الأزمات ويأخذنا التطوّر إلى حياة أكثر رفاهية وتحضّراً، لا أن نخترع أسلحةً تفتك بالبشرية.
كان أملي أن تتغيّر الجملة من (نحن نعوم على بحر من نفط) إلى الوطن العربي يُغدق على شعوبه بالذهب لما فيه من ثروات.
كان الأمل أن يصير لـ(ذهبنا الأصفر) سعر صرف في الأسواق العالمية ونهوض المنافسة، لا أن يجوع شعبنا وتُهلِكَ بعضهم المجاعات.
كان الأمل أن تتحوّل دروس العلوم في تنقية المياه، ودرس الجغرافيا حول توزّع الثروات والموارد الجوفية إلى بوصلة تهدي من ضلّ الطريق، أو ربما كنت أتأمّل من أجيال درست بالكتب ذاتها أن يستفيق وعيها وتكبر عندهم المخططات، لا أن نكون اليوم في 2020 ومليون إنسان تشغف قلوبهم قطرة ماء، ودول عظمى تقف مكتوفة الأيدي.
الحسكة الجريحة… الحسكة العطشى، التي خاطبت الشاعر يوسف قائد فحدّثنا:
(قالت لي الحسكة
لا أخضر عندي أو أزرق
لا تمنحني سمكة..
علّمني كيف أتدفق)!
المشكلة أن التاريخ يُعيد نفسه ولكن بحلّة جديدة، بقذارة أكبر وتطور في الأسلحة وطرق الفتك.
وحدها مشاعر الإنسانيّة هي الّتي تفنى.
كيف يمكن أن يكون السلاح قطرة ماء؟!
كيف يمكن أن يُستخدم البشر وسيلة للضغط؟!
كيف يمكن أن نساوم على مقومات الحياة الأساسية؟!
أين هي الطفلة التي كُنتُها يوماً، لو أنّها تشهد ما نراه اليوم أكانت بقيت تُرتّب حروفها على دفترها أم أنّها ستمزّق الدفاتر جنوناً؟
كيف يمكن لها أن تتبع صور الأطفال وأخبار دموعهم لأجل الماء وهي من كانت تبكي وتمتنع عن الطعام لأيام لأجل أطفال الحجارة!
كيف يمكن أن أقنعها أنّ لعبة السّياسة أكبر من رسوماتها ومن سطورها ومن هتافات ردّدتها في باحة المدرسة؟
كيف يمكن أن تُدرك أنّ حصّالتها ومصروفها على مدار عام كامل لن يفلح في شيء، وهي التي وقفت طويلاً أمام أصدقائها تخبرهم بأهمية الادخار والتّبرّع بما نملك لمن لا حول لهم ولا قوة وتلك المشتريات اللذيذة نستطيع تعويض رغبتنا بها لاحقاً!!
لا أدري… أعتقد أنها سمعت ما أقوله، فهي في صدري تبكي بحرقة وبأعلى الصوت، أجبرتني على المكوث في غرفتي وتحت الوسادة أدفن رأسي حتى أُركّز في شكواها، أخاف إن أهملتها أن ينقطع خيط روحها الأخير.
ختاماً، وقبل أن يتوه مني الكلام وتبقى مقالتي بلا نهاية، فقط انقطعت أنفاس حروفي، سأحدّثكم بالصوت الذي يحضرني في هذا المشهد لقول القباني الذي يلخّص الحكاية بدقّة فلا حاجة لشرحي وسطوري من بعد ربما:
(ما زالَ يكتبُ شعرهُ العذريّ قيس
واليهود تسربوا إلى فراش ليلى العامريّة
حتّى كلابُ الحيِّ لم تنبح
ولم تُطلَق على الزاني رصاصةُ بندقية).

العدد 928 - 23/09/2020