من محتل إلى محتل.. دورة حياة المواطن العربي

أنس أبو فخر:
يا قـوم لا تتكلَّـموا إن الكــلام محـرَّمُ
ناموا ولا تستيقظـوا ما فــاز إلاَّ النُّـوَّمُ
وتأخَّروا عن كلِّ مـا يَقضي بـأن تتقدَّموا
ودَعُـوا التفهُّم جانبـاً فالخير ألاَّ تَفهـمـوا
وتَثبتُّوا في جـهـلكم فالشرُّ أن تتعلَّــموا
أما السياسة فاتـركوا أبـداً وإلاَّ تندمـوا
بهذه الأبيات خاطب الشاعر العراقيّ الراحل معروف الرّصافي الشعب العربي عامةً، فقد اختزل فيها كل الحقوق المُحرّمة على المواطن في البلاد العربية، هذا المواطن الذي إن أراد العيش الكريم عليه ألّا يرى ولا يسمع ولا يتكلّم.
وبالعودة إلى تاريخ تشكّل الدول العربية، الذي جاء بعد عدوى عصر القوميّات في أوروبا، وبداية عصر النهضة العربية التي أمسك مشعلها أُدباء وشعراء أمثال بطرس البستاني وناصيف اليازجي والكواكبي وغيرهم، تمكّن المواطن العربي من الخروج من تحت نير الاحتلال العثماني الذي نشر ثقافته الاجتماعية والسياسية والثقافية، طامساً الهويّة العربية في سياسة تتريكه للشعوب ومرتكباً أبشع مجازر التطهير العرقي بحق السريان والآشور والأرمن وكذلك الكرد، جاء التحرير العربي من هذا المحتل وهذا ما كان يرتجيه الوسط المثقّف والوطني، لكنه لم يكن إلّا تغيير محتل بمحتل آخر، فاللورد الإنكليزي (لورنس) أو من يعرف بلورنس العرب، لعب دور عرّاب هذه الثورة التي استطاعت الدول الاستعمارية حينها من تقاسم ورثة الدولة العثمانية وعلى رأسها بريطانيا العظمى وفرنسا، عن طريق التضامن الزائف مع العرب ودعمهم لثورتهم التي كانت تنصب من خلالها الفخ، ورُسِمَتْ خريطة سايكس بيكو 1916 فانتقلت المرحلة من مفهوم الاحتلال المباشر إلى مصطلحات الانتداب والوصاية التي لم تُغيّر الواقع بشيء.
عاد الشعب العربي من جديد يدفع ثمن ثورته الثانية في هذا القرن دماً وفتيةً وشبّان، دافعاً الاستعمار الجديد (فرنسا إيطاليا بريطانيا) للخروج من أراضيه بثورات الاستقلال التي بدأتها العراق وتلتها لبنان وسورية وباقي الدول العربية، ثم تأتي مرحلة الانقلابات وحكم العسكر في العديد من الدول إضافة إلى الحكومات الملكية في بعضها الآخر والنتيجة مرحلة من عدم الاستقرار والأمان والحروب الأهلية، كذلك مرحلة الحرب المشتعلة مع دولة الكيان الصهيوني.
بعد مرحلة الهدوء والاستقرار التي توهّم المواطن العربي الأمان فيها، واستبشر خيراً في امتلاكه لاقتصاد بلاده وسيادتها، وتطلّع لبنائها والخروج بها من قوقعة دول العالم الثالث، اصطدم من جديد بواقع لا يقلُّ سوءاً عن واقع الاحتلال، فلم تكن هذه الحكومات نزيهة بالمطلق، بل يمكن وصفها بأنها كانت وديعة المحتل، أو بمعنى أدق وكلاء المستعمر، إذ إن المواطن العربي لم يرَ حلم الديموقراطية يتحقّق فيها، ولا أي نوع من أنواع الحرية، ولا أي تقدم وتطور، أو التماس خيرات بلاده المنهوبة، فطموح الكيان الغاصب يحاصره من جهة وجشع الدول العظمى من جهة وعبودية حكّامه من جهة، فبقي مكسور الجناح ومنزوع الإرادة يعيش حياته ضمن دائرة حياتيّة تبدأ بالولادة فالعمل فالزواج والأولاد وتنتهي بالموت، وجلّ ما يحلم به ويسعى إليه هو حسن الختام وألّا يموت على باب مشفى لا يملك تكاليف الدخول إليه.
ويعود مرة أخرى بمحاولة الاستقلال من وكلاء الاستعمار المتمثّلة بحكومات بعض الدول، التي تسمّى (الربيع العربي) في حين كانت أكثر شبهاً بالخريف وليس الربيع، وما توانت الأنظمة الاستعمارية من الاستثمار في إرادة الشعوب العربية وجرف مجرى ثوراتهم ومطالباتهم وتطبيق المشروع الأمريكي (الفوضى الخلّاقة) عبرها، فوضعت أحلام الشعوب ورغباتها في التحرّر في أتون صراع مشتعل واقتتال داخلي طائفي إثني وعرقي، وصناعة جيوش متطرّفة ومتشدّدة تأتمر بأمرهم حتى تبقى هي كالقابض على الناصية والملاذ الوحيد للمواطن العربي الذي ذاق من هذه الفصائل أشدّ أنواع الترهيب، متسلّحة بمفهوم الإرهاب لتعود إلى البلاد من جديد وتنصّب وكلاء جُدُداً لها، كالذي يهرب من الباب ويعود من الشباك.
ويُعتبر المواطن العربي، بحسب رأي كثيرين، من أضعف شعوب العالم في الشعور الوطني، فهو، كما يرى هؤلاء، دائم الرغبة في الهجرة إلى بلاد يشعر فيها بإنسانيته، ويمارس فيها حريته وطقوسه بلا رقيب ولا حسيب، ويشعر فيها بالرفاهية المنعدمة في بلاده، وهذا الأمر ليس مصادفة بل إنه أمر حتميّ، فكل إنسان متمرّد بطبيعته حينما يُمنع ويكبح، وفي معمعة هذه السطور السابقة مازال حال المواطن العربي ثابتاً، فالسجون العربية ما تزال تستقبل المفكرين والأدباء والعلمانيين، وما تزال جيوب المواطن فارغة لكثرة الضرائب والاقتصاد المنهار والمنهوب، ولا تزال الحياة السياسية في الوسط العربي من المُحرّمات، فقد قامت ثورات وحراكات في بعض الدول، لكن للأسف لم يسبقها ثورة في الفكر والأخلاق لا يمكن لأي دولة أن تقف في وجهها، ثورة فكرية تؤسّس ركيزة ثابتة للشعوب، وسوراً يحميها من الغزو والاختراق.

العدد 928 - 23/09/2020