القرارات وصوابيتها

الدكتور سنان علي ديب:

من الطبيعي والمنطقي أننا لن نفاجأ بما نلمسه من ردود أفعال ساخنة اتجاه أغلب القرارات التي اتخذتها الحكومة في الفترات السابقة ومؤخراً، وقد يكون لاحقاً، وخاصة ما يتعلق بالفريق الاقتصادي منذ بدء تداول هذا المصطلح الذي أصبح خياله شبحياً وكابوسياً في مخيلة أغلب المواطنين والمنظمات والأحزاب، وإن كان التعبير عن هذه الرؤية مختلفاً بينهم، بين من يجاهر ويصرح علناً، ومن يلتزم الصمت، ومن يحاول التبرير الخجول.

وهذا انعكس طبعاً على الحالة الصحية والنفسية للمواطنين، بالتزامن مع برامج إرهابية متنوعة خارجية تتسلق وتتصدر إعلامهم.

للأسف بسبب هذه الظروف تشرذم الرأي العام المجتمعي، وأوجدت شرخاً كبيراً في الثقة بين المواطن والمسؤول، مما أبعد العقلانية عن أي تقييم، وكذلك حيّدت الانعكاسات الأزموية، وكان ذلك نتيجة جوهرية لأخطاء كارثية في الكثير من السياسات الاقتصادية، وخاصة ما يتعلق بالسياسة المالية والنقدية، وما صاحبها من فجوة كبيرة بين القيمة الشرائية والقدرة على شراء الحاجات الضرورية، بحيث أصبحت حاجة الأسرة المؤلفة من ٥ أشخاص، ضمن مقاييس المؤسسات الرسمية، تتجاوز ٥٠٠ ألف ليرة شهرياً، وسط انتشار البؤس والفقر والركود التضخمي، ووسط عجز حكومي عن تبرير جامع لقراراتها. وجاء آخر قرار اتخذته الحكومة المتعلق بفرض تصريف ١٠٠ دولار بسعر المركزي، أسوة بكثير من الدول وكخيار لمواجهة امتناع جمعي كامل عن التحويل عبر السبل النظامية والشرعية، تماشياً مع تحريضات ورغبات غالباً لا تستند على رؤية وطنية، هذا القرار جعل الأغلبية تحاول تبرير رفضها من خلال وضعه ضمن بوتقة الفرض والإذعان، أو تجاوز المسارب الصحيحة كونه تجاوز المركزي واتخذه رئيس الحكومة، ورأى آخرون ضمن بوابة أنه موجه لشريحة معينة، وفسره آخرون بأنه علاج لتبرير فشل السياسات النقدية وعدم الرغبة بتطبيق المرسومين ٣ و٤ والكل الرفض لمجرد الرفض، لأنه ضمن القوانين الناظمة ومنها آخر مرسومين، فأي تعاطٍ غير رسمي عبر ما يسمى السوق السوداء فالعقوبات الردعية جاهزة وحاضرة. إذاً، هذا القرار لا يلغيهم ولكنه يفرض على القادمين إظهار جزء مما يحملونه من الدولار، علماً أن أغلب الدول ومنها المجاورة يصرح القادم بما يحمله من عملات صعبة ومن عملة البلد، ما يعني قانونياً يجب تصريف كل ما يحمله من عملة صعبة بالسبل القانونية وإلا تتخذ بحقه العقوبات. للأسف ما وجدناه ونجده غياب العقل المفكر بطريقة وطنية، والتفريق بين الخلاف والاختلاف مع جزء من المؤسسات والتحول للرفض المطلق، والكل يرى أي قرار من مصلحته وتخندقه بعيداً عن الحالة الوطنية وحاجاتها، والأكثر تضرراً من هذه المناظير هو المواطن الذي انعكست عليه بازدياد البؤس والفقر واضمحلال الأمل. فالتاجر الذي رفض تنزيل الأسعار يعاني من ركود، والأدوات الضابطة للأسعار فقدت أيّ نظرة احترام أو أيّ ثقة من قبل المواطن والمواطن يستجدي معجزات إلهية.

ألوان كهذه لن ترسم لوحة جميلة طالما دفعنا دمنا المقدس وصمدنا وصبرنا وواجهنا كل المشاريع الإرهابية بما فيها الاقتصادي والإعلامي، وحتى نعيد للوحة ألقها فإننا بحاجة إلى عودة الثقة بين المواطن والمسؤول، والبحث عن الأدوات المتوفرة ضمن الإمكانات المحدودة لعلاج الحالة الصعبة التي وصلنا إليها ويعاني منها المواطن، وإنقاذه معيشياً ليتعافى بكل المجالات، وهذا منوط بما سنفعله ونقرره بعد نهاية انتخابات مجلس الشعب، ويتبعه تغيير وزاري منتظر وما بعدهما، والأغلبية بانتظار مطر خصب نظيف يعطر الأجواء ويروي التربة الخصبة تاريخياً.

هذا الحل ضمن مجموعة الحلول ومنها السياسية التي تعبر عن رغبات الشعب وطموحاته هي السبيل لعودة القراءة الصحيحة لكل قرارات الحكومات، ولعودة الثقة التي هي حاجة لتنقية الأجواء والعودة القوية.

موضوع تصريف المئة دولار يجب أن تكون مسلّمة وليست بحاجة إلى قرار، ولكن ضرورات الواقع والإرهاب الاقتصادي العنيف قد أجبرت الحكومة على التصريح به.

وتبقى الشكليات التي اعترض بها صغيرة أمام الهدف الأكبر وأمام عنوان كبير، ففي الظروف الاستثنائية القرارات استثنائية.

وأي قرار يبرر بشكل منطقي وجود ثغرات به يصحح ويعالج.

إلا إذا كانت الضجات الإعلامية بالرفض لمجرد تقوية الضجات الكبرى ونشرها عمودياً وأفقياً.

العدد 922 - 12/08/2020