حسين المصطفى… أبي

غزل حسين المصطفى:

إلى أبي:

_ إلى أبي الذي ضفرَ شعر عمّتي قُبيل مدرستها، وهدهدَ لأخيه الأصغر، وانكبَّ على التّنور يساعد أمّه.

_إليه، حين أحبَّ أمي وكان لها سنداً وصديقاً، عوّضها عن أختٍ لم تهبها إياها الحياة، ودفعها بتشجيعه في عملها إلى أن تكون الأفضل.

_إليه، اليوم وفي خضمِّ كلّ الظروف والتحديات الّتي مررنا بها ومازالت حتّى اللحظة تعتصرنا، والدي، بل وكلّ ربُّ أسرةٍ، هو مناضلٌ حقيقي، لم تصبه الحرب برصاصتها_ والحمد لله_ لكنّ الحياة أصابته في روحه، أسمع صوت أنين ذلك الجرح كلَّ ليلةٍ حين لا يستطيع إكمال نومه، يستيقظ لأن (دوالي) ساقيه تُشاغب، والدخان العالق في صدره مدّ مخالبه وراح يُجرّح وجهه ويرسم خطوطاً زمنيّة.

_إلى أبي الذي يخلع عند عتبة البيت الحياة الخارجية، يدخل المنزل مبتسماً وفي بعض الأحيان يُغني.

قد أتذمّر من غنائه، ولا يعرف أحدهم السبب، يحرق قلبي صوته، أقول في نفسي إلى أيّ حدٍّ أحرقته الأيام اليوم؟ أيُغني من جرحه!

إن الحياة كانت قاسية جداً مع أبي وعليه، ورغم كلّ ذلك بقي هو الأحنّ، والألطف، يقول دائماً أنّنا عوضه.

_إلى عينيه، الخضراء تلك التي كانت مرج طفولتي الأول، أجدها تشيح بنفسها عنّي، أتخاف أن أكشفها حين تتقمّص البريق فرحاً وخلف ستارتها نيرانٌ تحرق جناتها الخضراء.

_إليه، حين أحسست بأن قلبي يشنق نفسه بوريده عندما قال الطبيب له: (بأسرع وقت لازم تكون بالمشفى… قلبك ما بيتحمّل!) ذلك القلب الذي تدلّلتُ عليه كثيراً وغفوتُ ولم يشكُ لي ثقل الأيام عليه، وجراحه النازفة على أحبة رحلوا وآخرون هاجروا.

_إلى أبي الذي كتبت له سابقاً في ذكرى مولده:

(19/4 يوم ميلاد والدي…

في هذا اليوم تُتم رحلتك عامها 53، كنّا شركاء معك في اثنين وعشرين عاماً منها، مذ شاء القدر أن تُكَون الخطوط الأولية لعائلتنا.

_اليوم صار الشيب يزيدك وقاراً وأنت الأجمل والأعظم في نظري وفي قلبي

_كُنت ومازلت وسأبقى أغار عليك، ففي ملامح وجهك وخشونة صوتك ولطفك تُرسم كُلّ معالم الرجولة..

_عيناك وطني الفرديّ والأبديّ، ومالي من مملكة إلاّ بين أضلاع صدرك

_لا أخشى العالم فأنا ابنتُك

_يُغريني رسم اسمي (غزل حسين المصطفى) حتى تلتصق حروف اسمي بحروف اسمك وتصير في عيني أجمل اللوحات وأعذب الألحان.

_متعتي تجاوز حدود السماء حين أفرض كلّ أنوثتي بدلعها ودموعها أمامك وتصير مُتطلباتي النّغم الذي أتلذّذ بترديده على مسامعك لأسمع كلمة ( تكرمي!) ابتسامتي تكشف خبث نواياي، فأنا أعيش حالة وجود بطلي الأسطوري.

_كم أفرح حين أكون النّسخة الأنثويّة من تفاصيلك فأنا أنت، رباه وهل هناك أجمل وأعظم من هذا!؟

_أتعلم يا أبي أنك نعمتي؟ لو أن العالم كله كما قلبك!

_لا أدري إن كانت حروفي تساوي مشاعري وأفكاري وتستطيع تصوير حالتي، لكن المهم من هذا كله أنني أحبك!

_كن بخير لأجلنا، عسى الله أن يطيل بعمرك وترى أحلامك فينا قد صارت حقيقة!

_أطال الله لنا بعمرك وأمدّك بالصحة والقوة والعافية!

_كل عام وأنت الحب ، السند، الخير، الدنيا..

_كل عام وأنت لنا… بابا يا كل القلب!).

_اليوم وبعد مرور عامين على ذلك، أرى ما كتبته مجرّد خربشات طفلةً لوّنتها بالمشاعر والحب فكلُّ شيء بات أعمق، أنا أفهمك أكثر.

أنا مدركة تماماً لدورك في حياتي، مُقتنعة كُليّاً بما تحفره في مسامعي من نصائح، كلُّ أملي أن تُعطيني الحياة مدداً ليتحوّل امتناني إلى أفعالٍ حقيقية يتنفس فيها حلمك بي، وأصنع أيامك بحبٍ كما فعلت معي.

_أبي، على تفاصيلك ورجولتك أقيس العالم وأراه (أنت الأساس… وبحبك بالأساس) معك فقط أدرك كيف يكون الرجال رجال أمة ورجال كلمة.

_أبي أنت لستَ قدوتي ومثلي وحدي، إلى كلِ رجلٍ تاه عن أبوّته ليأتي إليك طالباً للمفتاح والسر.

إلى أبي وكلُّ أبٍ بكل ما حملته لفظة (أب) من الحب والأمان والدفء، من العطاء والتضحية والإيثار.

إلى كل أب كان أمّاً قبل أن يكون أباً.

أنتم الحياة، وقناديل أرواحنا، لسنا بحاجةٍ إلى يومٍ عالميٍ يُذكرّنا بفضلكم، فكلُّ صباحٍ يبدأ بدعائكم وابتسامتكم هو العيد بعينه.

أيها الجنود الحناين، ما أعظمكم!

العدد 917 - 1/07/2020