لا تنتظروا المناسبات السنوية.. فمن بلغ من العمر الكثير لا يملك (فيسبوك)!

أنس أبو فخر:

ولدتْ لعائلة متواضعة ولها خمسة إخوة صغار، كانت وفاة أمّها مبكّرة جداً للأطفال الستة، وقاسية أكثر على الزوج الذي لم يتزوّج بعد وفاة زوجته، ونذر عمره لتربية أبنائه وبناته الستة بعناية الأم وحنانها، وصلابة الأب وعطفه. كبرت تلك الفتاة وكان اسمها (سونورا سمارت) وهي ترى في أبيها الأم المثالية والأب القدوة، وبدأت مشوار نضالها في قضية كانت أشبه بمكافأة تقدير لوالدها عام 1910، وقد تمكّنت مع الناشطين الذين أيّدوها أن يعلنوا الأحد الثالث من حزيران عيداً وطنياً للأب في الولايات المتحدة الأمريكية باعترافٍ رسمي عام 1972.

وانتشرت هذه المناسبة بهذا التوقيت والاعتراف في عدّة دول حول العالم مثل بريطانيا، كندا، شيلي، البرازيل والهند والعديد من الدول، بعضٌ منها يختلف بالموعد والبعض الآخر ألصقوا هذه المناسبة بمناسبة قديمة لهم في دول مثل ألمانيا، البرتغال وإسبانيا وغيرها، ولكن الأمر المتّفق عليه هو الاعتراف الرسمي من غالبية الدول حول العالم بهذه المناسبة التي لا تقلّ شأناً عن عيد الأم، الذي تمّ الإعتراف به أيضاً في الولايات المتحدة عام 1914.

هي حقيقة هذه المناسبة، التي تختصر الحديث الطويل عن دور الأب في حياة أبنائه، دوره المجهول والذي تستتر خلف صلابته حنان الأم ومحبة الأخ وروح الصداقة اتجاه الأبناء، ولكن كعادة غالبية هذا المجتمع البسيط، الذي يحتفل في المناسبات على (السوشال ميديا) ويمارس النقيض لها على أرض الواقع، بالطبع لا أتكلّم بالصيغة العمومية، لكن أعلم جيّداً أن كل من يقرأ الآن يعرف شخصاً من هذه الفئة التي ذكرتها، ودائماً يبقى السؤال المطروح: ماذا لو اهتموا برضا الوالدين أكثر من اهتمامهم بنسبة التفاعل على المنشور الذي يعايدون أهلهم به على الفيس بوك مثلاً؟

 في هذا المجتمع وللأسف هناك الكثير من الآباء قدّموا واعتنوا بأطفالهم، بوجود الأم أو غيابها ورهنوا حياتهم كُرمى لأطفالهم، الذين لم يناضلوا لقضيتهم مثل (سونورا سمارت) بل بعضهم على العكس من ذلك، بعضهم تخلّى عن والده ووالدته بعد تقدمهم بالعمر من أجل زوجته، وفضّل أن يُكافئهم بوضعهم بدور العجزة، والبعض الآخر استعاض عنهم بمال الاغتراب والسفر والعمل، وبعضهم لم يكن يوماً إلّا ابناً عاقّاً لوالديه، وجميعهم في هذه المناسبات يتسابقون في إظهار محبتهم لهم عبر منشورات ذات مشاعر اصطناعية، على وسائل التواصل الإجتماعي.

كنت أتمّنى أن أتناول في هذا المقال أفكاراً ونقاطاً أتحدّث بها عن دور الأب، لكن استوقفتني العشرات من المنشورات من أشخاص أعرفهم معرفة شخصية، ولذلك رغبت في أن يكون هذا المقال أشبه برسالة لهم، لأنني ومهما تكلّمت لا أنتهي من الحديث عن دور الأب في حياة كل طفل وشاب باختلاف جنسه، وخاصةً في هذه الظروف الصعبة التي تعصف بالآباء وأرباب الأسر، الذين بعضهم يشتاقون لرؤية أطفالهم وهم يعيشون معهم في المنزل نفسه، وذلك لكثرة العمل وضغوطه لتأمين حاجاتهم الأساسية، وتأتي على ذهني قصة قصيرة تختصر الكثير وقد حصلت في زمن الخليفة عمر بن الخطاب، وبائعة الحليب التي كانت تطلب من ابنتها وضع الماء في الحليب وكانت الفتاة ترفض وتقول لأمها: يا أماه إذا كان عمر لا يرانا فإن الله يرانا. فالإحسان للوالدين على مواقع التواصل الاجتماعي ليس مهمّاً، لأن الله لا يرانا عبر هذه المواقع إنما يرى الأعمال والنوايا، فلا تنتظروا هذه المناسبات للتعبير عن مشاعركم تجاههم، فالأيام تمضي أسرع ممّا نظن، وإن أردتم مناسبة فكل الأيام لهم مناسبة لمعايدتهم ولا يكفي يوم واحد في السنة لهم، فهم من خاطبنا الله تعالى بهم وقال: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً).

العدد 917 - 1/07/2020