أطفال في زمن كورونا

وعد حسون نصر:

باتوا رجالاً بأجساد أطفال، يحملون المعول بين أيديهم بدل اللعبة الجميلة، لن تشفع لهم سنوات الحرب أمام وباء العصر، يكرر الزمان دورته، وسنوات الشقاء تعود ببضعة أشهر مع وباء جديد حمل معه كل البؤس للكبار والصغار، لكن لم يبخل على الصغار الذين كانت لهم الحصّة الأكبر من هذا الوباء الذي لم يجتَح أجسادهم، لكنه اجتاح حياتهم ودمّر مستقبلهم وزادهم شقاءً فوق شقاء سنوات الحرب الماضية، الماضي المُتعفّن بين قذائف الموت والحاضر المغموس بالشح والقهر والمُغلّف بوباءٍ مزمن. لا نعلم متى يظهر المُخلّص وينجينا من بين فكي هوية مستقبلٍ مجهولٍ لأطفالنا. فبدل أن يحمل الطفل كتاباً ليصبح في المستقبل طبيباً أو مهندساً أو محامياً ذا شأن، حمل القهر مع عربة خضار يجرُّها، أو مقص ألمنيوم أو مطرقة نجار وريشة عمار وأصبح عاملاً منتجاً يجني فقط قوت يومه، مع العلم أن بنود اتفاقية حقوق الطفل: تمنع الاتجار بالأطفال أو سوقهم للعمالة، غير أن من وضع تلك الاتفاقية هو نفسه الذي أطاح بكل القيم ونشر براثن سمّه على العالم، وجعل النصيب الأكبر للأطفال والمسنين، فرض العمل على الأطفال وخاصة الذين ولدوا ضمن أسر محدودة الدخل وتقطن بالإيجار، بات الجميع بحاجة إلى العمل لتغطيّة المصاريف، وأصبحت الأرصفة تعجُّ بالأطفال العاملين منهم أو المشردين، ويكاد لا يخلو محلٌّ تجاري من طفل يعمل لديه بأرخص أجر. لقد انتُهك حق الطفل في اللعب والرفاهية والدراسة، وبات يحمل الهمَّ على أكتافه التي تنحني معانقة الثرى بدل الثريا!

ماذا ينتظر أطفال سورية بعد حرب دمّرت المنازل وسرقت الحلم وحرقت لون الربيع في عيونهم، وحلّ السواد بدل الاخضرار، وبعدها ابتلانا الزمان بوباء اغتال أحلام أطفالنا وأغلق أبواب مدارسهم وحدائق الفرح وأرجوحة الهواء، فغابت ضحكاتهم بدل أن تطير في السماء.

مع كل هذا لا بدّ للطفل السوري أن يكبر قبل أن تمضي سنوات العمر ويصبح زنده قاسياً، فهكذا يريده هذا الزمان، وليصبح رجل المصاعب يحمل هم حليب أخيه الصغير ودواء أمه وأجرة المنزل المطلوب من أبيه، خرج أطفالنا للعمل وباتوا يحركون الآلات بأيديهم التي لطالما كانت تحلم بأن تُحرّك مضرباً أو كرة أو دمية  بدل الآلة، أو حتى بالون هواء في بحيرة سباحة بدل هذا العناء مع آلة تفوقهم وزناً وحجماً، فأين المفرُّ يا صغيري الغافي تحت قبّة بلاد كُتب على سمائها أن تكون مسرح الغربان منذ بزغ التاريخ، حتى وباؤها جاء مُغلّفاً بالغل فطحن عزيمة أطفالها وقهر وأذل نفوس كبارها، وزاد الهمُّ همّاً بعقوبات فرضها علينا الغرب لتسحق قوتنا وتجعلنا تحت رحمة تجّار محتكرين يتحكّمون بلقمة عيشنا، بأسعار تطلب من الولد الصغير النهوض لسوق العمل قبل الكبير، ومع هذا القهر كله مازالت الجهات المعنية تعمل ببطء وتتخبط بقرارات كأنها بعيدة كل البعد عن الوضع، أو قادمة من المريخ!!

مازلنا نعاني من أزمة أخلاق عند البعض من أصحاب النفوس الضعيفة، الذين يستغلون الوضع ويغضُّون النظر عن المخالف بالمال، يتجاهلون وجع الشعب المسكين الصامد سنوات في وجه الموت منتظراً القادم بمكافأة وإنصاف، لكن الآمال خابت وجاء الوباء يصبغ زرقة السماء بلونه الأسود، الكل هنا مسؤول عن ضياع مستقبل أطفالنا، عن إغراقهم في بحور الهم بدلاً من إسعادهم، لذلك يجب أن يقف الجميع في وجه الاستغلال وخاصة الواقع على الأطفال، والمسؤول الأول هي الجهات المعنية من الحكومة التي بيدها صنع القرار من ضبط السوق وضبط سعر الصرف، وسعر الدواء، وحتى منع استغلال الأطفال للعمالة والاتجار بأحلامهم، واستغلال عوزهم في أعمال شاقة. كذلك وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل من خلال منظماتها وبعض المنظمات الأهلية تقع عليها مسؤولية حماية الطفل بالدرجة الأولى، فمن غير المعقول أن نزجّ بمستقبل أطفالنا في الظلام تحت ذريعة الفقر والحرمان والعقوبات والمرض، وخاصةً أننا خرجنا من الحرب ونسبة كبيرة من أطفالنا خارج المدرسة، كذلك على الدولة من خلال حماية المستهلك وبعض الفروع التابعة لها والمؤسسات الاستهلاكية حماية قوت المواطن من الاستغلال، وذلك بدعم بعض السلع الأساسية، التي تدخل ضمن قائمة الغذاء للمواطن السوري، فتساهم في رفع الشقاء عن أُسر أصحاب الدخل المحدود وضبط أطفالهم على مقاعد الدراسة دون حجّة أو ذريعة للتسرّب.

لا بدّ أن نضمن حقوق أطفالنا وخاصةً حق الحياة والدراسة واللعب والنمو السليم في مجتمع سليم، علينا أن نكون يد العون التي تدعم الطفولة وترفعها للأعلى لا التي تغرقها وترهقها وتجعلها بعيدة عن النور والحياة، علينا جميعاً رفض استغلال قوتنا وأحلامنا ولنقف، شعباً وحكومة، يداً واحدة بوجه المستغل وبوجه قاتل أحلامنا، حتى ننقذ مستقبل أطفالنا ومستقبلنا ومستقبل البلد، فالأطفال هم عماد الحياة وهم ربيع البلاد.

العدد 917 - 1/07/2020