أمل المستقبل في مهبِّ الرِّيح

إيناس ونوس:

ما إن أسير بضع خطوات في الشَّارع، حتى أبدأ بتلقي التَّحيات والسَّلامات من هنا وهناك، غالبيتها من تلامذتي الذين أُدرِّسهم في المدرسة، كلٌّ منهم يعمل في مكان، هذا في محل السَّمَّان، وذاك في المصبغة، والآخر في مغسل السَّيارات، ومنهم من يحملون جرار الغاز الثَّقيلة على أكتافهم الصَّغيرة ليوصلوها إلى بيوت أصحابها، مقابل مبالغ تافهة مهما كان ارتفاع البيوت أو بُعدُها، وغيرهم أراهم في كلِّ مكان، يعملون بتوصيل الطَّلبات إلى المنازل.

كنَّا نرى هذه الحالات صيفاً فقط بعد انتهاء العام الدِّراسي، وقد شجَّعنا عليها إلى حدٍّ معين، انطلاقاً من قناعتنا بضرورة حثِّ الأطفال بعد سنِّ العاشرة على تحمُّل المسؤولية، ومشاركة الأهل ببعض مصاريف البيت، أو على الأقل محاولة الاعتماد على أنفسهم في تدبير شؤونهم المادية، ممّا يريح الأهل بعض الشيء ليتمكَّنوا من القيام بمهامهم تجاه من هم أصغر سنَّاً من أفراد العائلة، غير أن الحال في هذه الأيام قد تغيَّر، فعمل الأطفال لم يعد مقتصراً على الصَّيف وفترة العطلة فقط، إنما بات بشكلٍ يوميٍّ حتى في الشِّتاء وبعد انتهاء الدَّوام المدرسي، ممّا يجعلهم مستعجلين على الخلاص من الحصص الدَّرسية بأيِّ شكلٍ للَّحاق بعملهم، لأنَّهم إن تأخَّروا قد يُفصلون من العمل الذي يعتاشون عليه، ويُضطَّرون للبحث عن غيره في زمنٍ صار فيه تأمين فرصة عملٍ أمراً في غاية الصُّعوبة للكبار فما بالنا بالصِّغار، في حين أن بقاءهم في المدرسة مضمونٌ بحكم قانون إلزامية التَّعليم ومنع تسرُّب التَّلاميذ منها قبل سنِّ الخامسة عشرة تحت طائلة المسؤولية القانونية، التي تطول المدرسة والأهل معاً، ممّا يجعل هؤلاء الأطفال وأهلهم معهم أيضاً، مطمئنين ضمنياً أنهم سيعودون للمدرسة مهما غابوا عنها، بينما يخشون خسارة عملهم في حال تغيَّبوا ليومٍ واحدٍ فقط.

أضف إلى أن هذا العمل لم يعد مقتصراً على من هم فوق العاشرة من العمر، بل بتنا نرى أطفالاً أصغر سنَّاً في ميادين تلك الأعمال، التي فيها من الأذى الجسدي والنفسي ما لا يُعدُّ ولا يُحصى، وليس أقلُّها تدنِّي نسبة أجور عمالة الأطفال والتَّلاعب بها من قبل القائمين على تشغيلهم، ولذلك يخشون المطالبة بحقوقهم المادية خوفاً من الفصل.

إن التَّردي اللَّحظي للأوضاع الاقتصادية والمعيشية اليوم، يجعلنا نقف حائرين أمام هذه المشكلة الاجتماعية والتَّربوية والنَّفسية، وتائهين، غير قادرين على الإدلاء بأية كلمة، واقعين بين سندان حقوق هؤلاء الأطفال بطفولتهم الموءودة مبكراً، ومطرقة الحاجة المادية الملحَّة، التي أجبرت الجميع دون استثناء على البحث عن أيِّ عملٍ يقيهم العوز ومد اليد للآخرين، لاسيما في الوقت الرَّاهن، حيث جاء وباء كورونا ذريعةً للصوص الحياة لتبرير سرقاتهم وجرائمهم. وزادت العقوبات الاقتصادية المفروضة مؤخّراً على البلاد الطَّامة أكثر فأكثر، وكأنه لم يكن ينقصنا غيرهما فازداد الألم والقهر والموت اليومي.

من يعيد قراءة بنود اتفاقية حقوق الطِّفل التي اعتمدتها المنظَّمات الدَّولية، لا يجد أيّاً من تلك البنود مطبَّقاً على الطِّفل السُّوري الذي يتعرَّض وفي كلِّ ثانيةٍ من عمره للاغتيال والوأد على يد الجميع، فلا الحكومة تُحرِّك ساكناً وتقوم بمهامها الموكلة إليها تجاههم، ولا الأهل الذين يتقطَّعون ملايين المرَّات يومياً، والموءودون غير قادرين على فعل شيءٍ حيال ما يجري، ولا المنظَّمات الدَّولية أيضاً بقادرةٍ على فرض أيّ أمر، ولم يبقَ أمام هؤلاء الأطفال إلاّ الاعتماد على أنفسهم في محاولات التَّشبُّث بالحياة التي لم تتفتَّح أمامهم بعد.

واقعٌ مأساويٌّ وقاتم السَّواد تحياه الطُّفولة في هذا البلد، ولا من بصيص أمل بأن الحكاية سيأتي يوم لها وتنتهي!

كم حلمنا لأطفالنا بطفولةٍ حُرمنا بها، غير أن لسان حال معظم الآباء والأمهات بات اليوم يصرخ مدوياً: وا حسرتاه، يا لندمنا على ما أجرمناه بحق أطفالنا!

العدد 917 - 1/07/2020