متى ينفجر ترمو متر الديون؟
يونس صالح:
قديماً كان العالم مديناً للعرب بالكثير، في مجال العقائد السماوية والمعارف الإنسانية على السواء.
حديثاً أصبح العرب مدينين للعالم المتقدم، مرّة في مجال العلوم والتقنية، ومرة في مجال المال والاقتصاد.
وقد استغرق ذلك فترة زمنية طويلة، لكن إيقاعاً مختلفاً كان في الفترة الأخيرة، فاعتمادنا على الخارج يتزايد، سواء في مجال العلوم أو مجال المال، والأخير يستوقف النظر.
كثيرون يتحدثون عن حقبة الرخاء التي شهدتها المنطقة العربية بعد ارتفاع أسعار النفط بداية السبعينيات من القرن الماضي، ويتحدثون عن وفرة تجاوزت دول الفائض إلى دول العجز، نتيجة التعاون الاقتصادي، وانتقال العمالة، كما يتحدثون عن الأموال عابرة القارات التي فاضت عن الحاجة اليومية للبلدان العربية في بعض اللحظات.
ولكن..
وعندما خيمت على العالم أزمة جديدة اسمها أزمة المديونية، وعندما تهدد الموقف الاقتصادي في كثير من البلاد، الدائنة والمدينة على السواء، وخيّم شبح الإفلاس والتوقف عن السداد، برزت المنطقة العربية كواحدة من المناطق التي تتفاقم فيها المشكلة.
تختلف المصادر حول مديونية البلدان العربية، وتزداد الحيرة إذا حدث اقتراب من منطقة مهمة اسمها القروض العسكرية، ومع ذلك فالأرقام المعلنة تضع مؤشراً واضحاً للمشكلة.
تقول بيانات أُذيعت إن ديون العرب المدنية- غير العسكرية وغير القصيرة، قد بلغت أكثر من 250 ملياراً من الدولارات في أواخر العقد الأول من القرن الحالي.
يلفت النظر في الرقم الذي تحدثت عنه مصادر مصرفية العديد من الأمور:
الأمر الأول: وفقاً للأرقام المتاحة زادت مديونية العرب غير العسكرية 30 ملياراً من الدولارات في الشهور العشرة الأخيرة من العقد الأول في القرن الحالي. أي بمعدل مليارين ونصف مليار كل شهر.. أو ما يقارب الـ80 مليوناً كل يوم!
الأمر الثاني: إن الديون لم تستثن أحداً على وجه التقريب، فعدد الدول المدينة (19) دولة، ولم يفلت إلا القليل من الدول، ويشير المصدر نفسه إلى تحول خطير في هيكل المديونية العربية، فبينما كان الاقتراض في معظمه منذ سنوات من مصادر رسمية كالحكومات والمؤسسات الدولية، وبينما كانت هذه المصادر تعطي بشروط ميسرة وآجال طويلة، فقد تزايد في الآونة الأخيرة الاقتراض من المصارف التجارية بشروط صعبة وفوائد عالية.
والأمر الثالث أن الأرقام تشير إلى أن القروض لم ترحم دولاً نفطية أو غير نفطية، فعلى سبيل المثال تبرز مديونية الإمارات العربية بنحو 14 مليار دولار، كما تبرز الجزائر أيضاً 16٫3 مليار، أما ديون السعودية فيجري التستر عليها لأغراض جيوسياسية.
تكتمل الصورة إذا أضيفت أعباء الدفاع، فالمنطقة طبقاً للإحصاءات الدولية من أكبر مستوردي السلاح، وتكتمل الصورة إذا وضعنا أسباب ارتفاع المديوينة بالترتيب:
تسلّح أكثر- استهلاك أكثر- مشروعات تنموية أكثر، وقد شاع ذلك في كل البلدان العربية على وجه التقريب، وبدت آثاره واضحة في بعض البلدان في عبء الديون التي وصلت مقدار فوائدها ثلاثة أضعاف الدين الأصلي، ولا نعرف إلى أين ستمتد هذه الفوائد.
ولا يجهل أحد الآثار المترتبة على ذلك، فمعظم صادرات هذه البلدان تذهب لسداد الديون، بما يهدد التنمية، بل يهدد القدرة على استيراد سلع الاحتياج اليومي.
أيضاً، وفي سلسلة النتائج، نجد ما تشير إليه شروط المؤسسات الدولية المالية كصندوق النقد الدولي، ونادي باريس وغيرهما، مما يمس السيادة، ويدفع إلى المزيد من الأزمة.
هي إذاً حالة متفاقمة، تتسم في الوقت الراهن بأنها تكاد تصبح مرضاً مزمناً يعبر عن حالة من اللاتوازن في اقتصاد البلدان العربية.
وقد يكون السؤال: ما المخرج؟
وقد تكون هناك إجابة واحدة: نمط آخر من العمل الاقتصادي التنموي، نمط آخر من الاستهلاك، نمط آخر من العلاقات الدولية، نمط آخر من العلاقات العربية – العربية.. وبما يساعد على استعادة التوازن الاقتصادي، وحينذاك لن تمد اليد للآخرين، ولن تظل الأنظار شاخصة وقلقة إلى أين يصعد ترمومتر الديون؟ ففي نقطة معينة ينفجر الترمومتر.