تعدّدت الحرائق.. النيران تحصد أمل الفلاحين وتعبهم

أنس أبو فخر:

يكبر أمل الفلّاح في غلّة أرضه يوماً بعدَ يوم، وبعدَ سنةٍ وافرةَ الأمطارِ والخير. لكن، لم يكد موسم الحصاد هذا العام ينضج بعد، حتى استهلّت النيران مشوارها في حصاد جزءٍ غير قليل من الموسم عوضاً عن الفلّاح، وحرق تعبهِ وعرقه المنسكب فوق ترابِ أرضه، لاسعةً بألسنتها سنابل القمح والشعير محوّلةً إيّاها إلى رماد يتطاير فتتطاير معه أحلام الفلّاح نفسه وآماله.

(إنذارٌ مبكّر لموسمٍ ساخن)، هكذا عنون موقع (سناك سوري) إحدى مقالاته التي تحدّثت عن الفاجعة التي ألمّت بالفلّاحين وسكّان الأرياف المعتمدة في اقتصادها على الزراعة، من الحسكة والرقة شمالاً، إلى السويداء ودرعا جنوباً، ألسنة النيران المفاجئة رسمت غيمةً سوداء تُمطر الخسارة والجوع على سورية، وقد نشبت على حين غرّة في فترة ارتفاعٍ لدرجات الحرارة في الأيام القليلة الماضية، والتهمت أراضيَ زراعيةً واسعة ومحميات طبيعية تكثر فيها الأشجار الحراجية والمثمرة، في حوادث مشابهة إلى حدٍّ كبير بالذي حصل العام الفائت.

وبلغت الخسائر في المنطقة الشمالية والشرقية في سورية حوالي 300 هكتار من الأراضي الزراعية، فقد أُحرقَ 17200 دونم في دير الزور، 4550 دونماً في الحسكة، 25000 دونم في رأس العين وتل تمر، و950 في عين العرب و250 في عين عيسى، أما في منبج فقد بلغت 1750 دونماً، وفي الرقة 190 دونماً وفي الطبقة 525 دونماً.

من أطلق صافرة الانطلاق للنار في ماراثون التجويع المتعمّد؟

يقول رجل ستينيّ: (بلغتُ الثالثة والستين من العمر، أمضيته في الزراعة ولم تحرق الشمس يوماً محصولاً لي)، في إشارة إلى أيادٍ خفيّة وفاعل مُستتر كان خلف هذه الحرائق. وفي هذا السياق تحدّثت وكالة الأنباء الروسيّة (سبوتنيك) أن الحرائق التي التهمت مساحات زراعية تزيد عن 2500 دونم، من محاصيل القمح والشعير في الشمال السوري، أنها مفتعلة وهناك دولة تقف وراءها، ونقلت الوكالة عبر مراسليها في الحسكة أن طائرتين من نوع (أباتشي) تابعتين للقوات الأمريكية قامت بالتحويم على مسافات قريبة من الأراضي الزراعية، وقامتا برمي (بالونات حرارية) أدّت إلى إضرام النيران في المحاصيل والأراضي، مشيرة في تقريرها إلى عدم مساعدة (قوات قسد) الأهالي في إخماد النيران المندلعة.

ومن جهة أخرى، تحدث (المرصد السوري لحقوق الإنسان) عن دور تركيا في نشوب الحرائق، فقد ذكر المرصد وبحسب مصادره أن القوات الموالية لتركيا في الشمال السوري قامت بإحراق المحاصيل المجاورة (لمناطق سيطرة القوات الحليفة لها)، لعدم قدرتها على حصاد محاصيلها. ومن جانب آخر أشارت المصادر إلى أن أسباب اندلاع الحرائق ناتجة عن خلافات بين الفصائل المقاتلة في تلك المنطقة، خاصة بين ما يُسمّى (أحرار الشرقية وفيلق الرحمن والسلطان مراد وفرقة المعتصم، حول طريقة اقتسام المحاصيل)، كذلك كشف المرصد السوري تورط فصائل تركية في نهب المحاصيل الزراعية، في ريف الحسكة وخاصة في المناطق الحدودية معها.

أما في الجنوب السوري، وتحديداً السويداء وريفها التي كان لها النصيب الأكبر من الحرائق، فقد شهدت خمسة حرائق في اليوم نفسه، ووصل أحدها إلى مرأب البلدية في قلب المدينة، وسط موجة استياء وغضب كبير في المحافظة ومطالبات بفتح تحقيقات جديّة لكشف حقيقة الأمر، إضافة إلى مطالبات بتعويضات للفلاحين المتضررين، وقد طالت الحرائق عدداً من المناطق الزراعية في بلدات: القريّا، نمرة شهبا، الهيت، تعلا، المجدل، في مناطق الريف الغربي والجنوبي لمحافظة السويداء، وبلغت الخسائر في المحافظة نحو 17 ألف دونم حسب تصريح مدير زراعة السويداء المهندس إيهاب حامد لصحيفة تشرين، مقسّمة على 3810 دونمات مزروعة بالأشجار المثمرة و4781 دونماً من المحاصيل الحقلية، منها 2477 دونم قمح و1574 دونم شعير، إضافة إلى 8233 دونماً من الأراضي السليخ الخصاب و90 دونماً من الأراضي المقام ضمنها شبكات ري.

وتشير الأحداث الأخيرة الى ما وصفه بعض الكتّاب والناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، بسياسة التجويع تماماً كالذي حصل في ليبيا في ظلّ الاحتلال الإيطالي لها، وتأتي هذه الحوادث مع بداية تنفيذ (قانون قيصر) الأمريكي على سورية، والذي بموجبه ستكون عقوباته الاقتصادية أكثر ضرراً على السوريين مقارنة بسابقه من عقوبات اقتصادية على مدى العقد الأخير، ولكن كل ما بقي للفلاح بعد هذه المأساة، أمل متعلّق بقرارٍ من الحكومة يعوّض عليه محاصيله وتعب السنة كاملة الذي ابتلعته النيران في أقل من ساعتين، فهل سيأتي هذا التعويض؟

العدد 937 - 25/11/2020