الطالب وحيداً في المواجهة

مرح محمد نبيل السمكري:

يقولون لنا إن الأيام الصعبة بعد انقضائها ستُصبح موضع ابتسامة، وسننظر إليها على أنها كانت هيّنة، لكن لا تندرج كل اللحظات العسيرة تحت هذا القانون، فثمّة لحظات أشقى من أن تصبح ذكرى لطيفة، منها ذكريات امتحانات الشهادات الإعدادية والثانوية، إضافة إلى الامتحان الجامعي، فبعد انقضاء السنوات مازلت أتذكّر تلك الساعات الليلية التي قضيتها مرابطةً خلف طاولتي وفوق أوراقي، بينما كان كل سكان المنزل في نوم عميق، أتذكّر الكبوات فوق الكتاب من غير إرادة، وأتذكّر سويعات النوم القليلة التي كنت أرى فيها المنهاج في المنام، وأستيقظ وأنا أردّده، وأتذكّر الشعور بالمسؤولية الذي كان يتربّع على قلبي وهو بحجم جبال العالم، لطالما شعرت في امتحان الإعدادية أنني أمام مواجهة أكبر مني عمراً، وأنا غضّة بطريقة لا تمنحني حق تحديد مستقبلي العلمي والمهني. أما عند امتحان الثانوية فقد كنت قوية متماسكة، قادرة على تحديد ما أريد، إلاّ أن الحرب كانت في أوجها، وكانت الدراسة وسط انهيار البلاد عسيرة جداً، أذكر تماماً عندما كنت أعود من الامتحان، لم يكن يسألني أحد من أهلي إذا أبليت بلاءً حسناً أو سيئاً، كلّ ما كان يهمّهم آناك أني وصلت إلى البيت بسلامة، من دون التقاط شظيّة متناثرة أو رصاصة طائشة.

أما اليوم فقد اختلفت أنواع المواجهات الواقعة على الطالب، فها هم أولاء طلبتنا أمام مواجهة من النوع الحديث والحصري وهو وباء كورونا، وعلى وجه التحديد قرار تعليق الدوام في المدراس والجامعات، هذه الحالة ذات أثر إيجابي كبير لدى بعض الطلاب، وخاصّة في الفروع الأدبية التي تعتمد على الحفظ، فطالب الأدبي غالباً ما يُحبّذ البقاء في المنزل وحفظ مقرراته في هدوء، ولا يعتمد على شرح الأساتذة بشكل كبير مقارنة مع طالب الفرع العلمي، وحتى لو استعصت عليه فكرة في المنهاج فمن اليسير أن يبحث عنها على الإنترنت فيجد شرحاً وافياً لها.

أما طالب العلمي فسيجد صعوبة في التحضير للامتحان وفهم مسائل الرياضيات والفرضيات والنظريات الفيزيائية والتجارب الكيميائية من غير مساعدة الأساتذة له، وحتى لو استعان بالإنترنت فلن يجد المسائل ذاتها الموجودة بكتابه، لذلك قامت المدارس بتتمة المنهاج على شكل مقاطع مصورّة وأوراق عمل، ومع ذلك لم يأخذ الطلاب النتيجة الكاملة والمرجوّة.

إضافة إلى مشكلة عانى منها طلاب المدارس الخاصّة وهي أن الوحدة الأخيرة من الكتاب، التي حذفتها الوزارة، كانوا قد بدؤوا الدراسة بها لأنها تعتبر الأهم، وكل الدورات وجلسات التقوية ركّزوا على الوحدة ذاتها.

أما بالنسبة لطلاب الشهادة الإعدادية، فحتماً مازالوا أصغر وأغضّ من تحمل هكذا مسؤولية، ومن ترتيب وتنظيم أمورهم وتقسيم مناهجهم من دون مساعدة الأساتذة، وبالتأكيد لا يمكننا إلقاء هذه المسؤولية دائماً على الأهل، فعدد كبير من الآباء غير قادرين على تنظيم الأمور الدراسية لأبنائهم، أمّا بالنسبة للدروس الخصوصية فصارت أجورها لا تحتمل بالنسبة للمواطن السوري، خاصّة إذا كان الطالب يحتاج إلى عدد كبير منها.

لا يمكننا الجزم بالنتائج الامتحانية كيف ستكون، إلاّ أن الرهان على إحساس المسؤولية والتنظيم والإرادة لدى الطالب كبير جداً، والرهان على إجراءات الوزارة أكبر، فمن العدل أن تكون الأسئلة سهلة ويسيرة، تناسب طالباً وجد نفسه وسط دوامات الكتب وحيداً، ومن العدل أن يكون سلّم التصحيح هيّناً بعيداً عن التعقيد، ومن الرفق أن تكون معدلات القبول طبيعية لا تُحلّق بين الغيوم كما هي كل عام.

العدد 912 - 20/5/2020