تخبُّط بالقرارات أم قرارات تخبّطية مجتمعية

الدكتور سنان علي ديب: 

من أول الحرب القذرة إلى اليوم نُفاجأ بتصريحات وتمهيدات إعلامية تجعلنا ندور بين فلكين، إما أننا في بلد مستقر يسعى لزيادة رفاهية مواطنيه، فتأتي القرارات لضبطٍ أدقّ في تطبيق القوانين والإطاحة ببقايا الفساد، أو أننا جهلة بعلم الاقتصاد والاجتماع ولا نعلم انعكاسات هذه القرارات الارتجالية البناءة، وخاصة في ظل الحروب والأزمات والقرارات الاستثنائية والفجائية بما يناسب الحالة في الوقت والمكان، ومن ينال شرف التصدر بقرارات كهذه هي وزارة حماية المستهلك، التي ما فتئت تجعل المواطنين ينادون وينتظرون من يحميهم من قراراتها التي لم تكن سوى مغازلة ومجاملة لمحتكري المواد والتجار، وآخر مادة دسمة تسليط إعلامي متواتر على بقايا الخبز وتكلفته الكبيرة التي تتجاوز ١٦ مليار، وإن فاض رغيف واحد عن الأسرة وما يجب فعله، وأن هناك من يحول الخبز لعلف للحيوانات، وتهريب الطحين والمازوت، فنصل إلى نتيجة: صعوبة ضبط هذه الحالات ما دامت الأفران تقوم بالخبز والتجهيز ليلاً، ولذلك اتخذ القرار بمنع البيع قبل الساعة ٧، غير عابئين بمشاغل المواطن وخاصة الموظفين، وكذلك بحجم الازدحام الذي عودتنا عليه منجزات هذه الوزارة واختراعاتها.

والبطولة الثانية تنالها وزارة المالية و قراراتها وتصريحات وزيرها البعيدة عن الواقع غالباً، فمن المؤكد أن التهرب الضريبي كبير، فقبل الأزمة قُدِّر الهدر والتهرب الضريبي والفساد بما يساوي ٣٠ بالمئة من الناتج المحلي حوالي ألف مليار، الجزء اليسير من القطاع غير المنظم الذي كبر خلال الأزمة فصار حوالي ٦٠ بالمائة من القطاعات الاقتصادية، ولكن خلال الأزمة استوعب هذا القطاع مئات الآلاف من العمالة في ظل انعكاسات الأزمة الاجتماعية من خروج قطاعات اقتصادية و نزوح وحركات اجتماعية، فكان من أدوات التخفيف من المعاناة الاجتماعية والتوازن الاجتماعي، لذلك النظرة لهذا القطاع تختلف خلال الأزمة، ومهما كانت مساوئه، ولكن الإيجابيات في المنظوم التخفيف الأزموي أكبر. من فترة صرح وزير المالية أن تاجراً استورد بحوالي ٧ مليارات يقدم بيانات بأنه خاسر.

 ويبقى السؤال: هل المبلغ الذي تهرّب منه هذا التاجر وأمثاله أكبر في حال تحصيله أم المطرح الاخير لعمالة جر البضائع الذين لا يكلفون الدولة كهرباء ولا ماء اسوة بغيرهم من القطاع غير النظامي؟

 وهل هذه العمالة أكثر تهرباً من البسطات التي ملأت الساحات والأرصفة والطرقات رغم تحفظنا على علاج مشكلتهم الآن إلا في ضوء ترخيص مؤقت بانتظار الحسم العسكري وانتهاء مفاعيل الأزمة والإحاطة بكل انعكاساتها. مبررات القرار غير واضحة واتخاذه لا يتناسب مع المفعول الإعلامي الذي أخذه ذكّرنا بالضجة التي أخذها موضوع من ربح ٥٠ ليرة أمام أحد المحاكم زيادة عن السعر القانوني، وقد يكون أحد العمالة الشرفاء قد قطع الطريق أمام موكب سعادته أو أحد أفراد أسرته أو مسؤول كبير وانزعج، فأراد الانتقام وتلقينه درساً في كيفية الاحترام. باختصار هناك مطارح أدسم ولكان القرار أقوم.

 هل انتهت الازمة وتوفرت فرص العمل؟ وهل سيطبق القرار على كبار الشخصيات الاقتصادية التي لم تنكفئ عن التهرب الضريبي وبمساعدة خلل في الموظفين المسؤولين، كما أقر الوزير بتصريح سابق؟ وما نراه أن الموضوع الإعلامي للقرار أكبر من جدواه الاقتصادية المتناهي بالصغر. ما زالت عقلية الفريق الاقتصادي مستقاة من أفكار وممارسات نهج الدردري، الذي انقلب على اقتصاد السوق الاجتماعي ومهد البيئة والمداخل لما وصلنا إليه من اختراق ودمار. فهل من منقذ ورادع لقرارات عشوائية منعكساتها تأزيم ما أمكن من ضبطه أم يستمر لحن صراخ وتألم أغلب المواطنين؟ وهل سنحقق فاتحة دستورنا بالعدالة والمساواة بين المواطنين بالحقوق والواجبات، أم ستظل فئة الـ٥ بالمئة بعيدة عن هموم الوطن والمواطن.

هل سنعيد للمؤسسات هيبتها أم يظل الحيتان عنواناً لكل حياتنا؟

العدد 906 - 08/4/2020