من القلب إلى القلب | دهشة المثقف العربي وعزلته “الهوية الضائعة”

: عماد نداف

المثقف العربي في مرحلة ثبات ودهشة!

أمامه استحقاقات كثيرة، وهو شبه عاجز، عاجزٌ لأنه أطّر نفسه في عباءة (السلطات)، وذلك ليس عيباً إذا كانت هذه السلطات تتبنى برنامجاُ ونهجاُ يواجه المرحلة التي تعيش فيها الأمة، لكن السلطات العربية ليست على هذا النحو، وهي مفرقة، موزعة على محاور تحت ضغط الثقل الذي تتعرض له المنطقة.

وفي حقيقة دور المثقف أنه يشبه (المنارة) على شاطئ تتلاطم فيه الأمواج، فإذا السفن الضائعة تهتدي إليه، فلماذا تخفت أنوار هذه المنارة، ولماذا تبدو عاجزة عن الفعل، ومن خلفها تاريخ وتجربة مهمة يمكن أن تتعلم منها؟!

لاحظوا ماذا فعل المثقف العربي في أربع مراحل من العصر الحديث :

عندما كانت الحرب العالمية الأولى على الأبواب، وكان العرب تحت المظلة العثمانية المريضة التي يتهيأ الغرب للانقضاض عليها، أطلق المثقف صرخته من أجل الصحوة، وبنى صرخته على العروبة والتنوير والديمقراطية، وكثيرون هم الذين تصدروا الواجهة وكان على رأسهم صاحب أشهر كتاب في تاريخ العصر العربي الحديث وهو (طبائع الاستبداد) للشيخ عبد الرحمن الكوكبي.

في المرحلة الاستعمارية، وعندما شغل الاستعمار الفرنسي والبريطاني المكان الذي فرغ بانهيار الدولة العثمانية، أطلق المثقف العربي شرعية مقاومة المستعمر، وانضوت تحت لوائه مجموعة العناصر الاجتماعية الاقتصادية والدينية، فقرأنا عن محمد الأشمر وحسن الخراط وابراهيم هنانو والشيخ صالح العلي وعبد الرحمن الشهبندر ، وانطلقت الثورة السورية بقيادة سلطان باشا الأطرش، فإذا نحن أمام وهج وطني متنوع ومتنور تمكّن من ليّ ذراع الاستعمار عبر كفاح طويل تُوج بالاستقلال عام 1946 في سورية في موجة استقلال متتابعة وصلت إلى الجزائر وجنوب اليمن.

في مرحلة الاستقلال ، كان ثمة ضرورة تاريخية لبناء الدولة المستقلة ، ومع هذه الضرورة تشكل حراك ثقافي ممزوج بين مختلف شرائح المجتمع، وتآخت تحت قبة البرلمان، وهذا حصل في سورية، فأفرزت حيوية المجتمع والدور التنويري للمثقف، مختلف القامات السياسية الفذة التي وواجهت الانقلابات بفكر نير قومي واجتماعي وشكلت أول تجربة وحدوية في التاريخ الحديث.

وعندما وقعت هزيمة حزيران عام 1967 برز دور المثقف على نحو بارز وتشكلت صيغة وطنية تمكنت من تحقيق إنجاز تاريخي في حرب 1973.

ما الذي يحصل اليوم في مهمات المثقف عندنا؟

سواءً كان الحديث سورياً أم عربياً، اليوم المثقف مرهون لأزمته المستعصية، فهو غير قادر على إنتاج الفكر الوطني وتأطير المجتمع به، بما يتواكب مع المستجدات المدمرة، وغير قادر على التأثير في بنى المجتمع التي تتفكك أمام هجمة المشاريع الغربية الجديدة في مرحلة الليبرالية المتوحشة، وانتقال العالم إلى صراع لم يسفر بعد عن النظام العالمي الجديد.

بل إن المثقف نفسه في شريحة واسعة منه يعود إلى صيغة ماقبل المجتمع الوطني والقومي.. يا للأسف !

وإذا تبلور هذا النظام العالمي الجديد، أليس من حقنا أن نسأل أين موقعنا منه؟! ولماذا يتوقع كثيرون أن نعود أمة مبعثرة تنفعل ولا تفعل، تتجزأ ولا تتوحد، فتضيع القضايا المركزية (فلسطين)، وتتوالد قضايا جديدة (فلسطينات متعددة)، والفصل فيها مرهون للغيب !

العدد 904 - 25/3/2020