ليس كل ماضٍ تليد

إيمان أحمد ونوس:

لا شكّ أن الحياة على هذا الكوكب كانت منذ نشأتها وما زالت سلسلة مُتّصلة ومتواصلة من التجارب والاكتشافات التي تخدم كلُّ واحدة منها ما يليها في زمن لاحق. وهذا ما ينطبق على الحضارات المُتعاقبة عبر التاريخ والأجيال، إذ أن كلُّ حضارة قامت ببعض أُسسها على ما خلّفته حضارة سالفة وقامت بدورها بالتأسيس لذاتها ولحضارات لاحقة من خلال ما اكتشفته من علوم أو صنعته من مفاهيم وآداب وفنون.

ولا شكّ أيضاً بأن لكل زمنٍ قيمه ومفاهيمه وعاداته التي تتناسب وشروط الحياة في أيّة بقعة جغرافية كانت. فالإنسان منذ ظهوره على الأرض تعامل مع الحياة على أساس الاكتشاف وتطوير ما لديه من أدوات ووسائل تناسبت طرداً مع إمكاناته المعيشية والذهنية والاقتصادية، وبالتالي تطوير ذاته ومفاهيمه التي بدورها غيّرت من شروط حياته بمُستجدّاتها.

وعليه، فإن مسيرة الإنسان عبر التاريخ قامت على مبدأ التجاوز، تجاوز الماضي لبناء الحاضر والمستقبل معاً، بمعنى التّخلي عن كل ما هو غير مناسب أو ضروري كان سائداً ومُزدهراً في مرحلة سابقة، وذلك لأن ما تمّ التّخلي عنه أصبح يُشكّل حجر عثرة في طريق إنجازاته أو اكتشافاته التي تساعده على الاستمرارية والراحة في الحياة، وهذه هي المنهجية الضرورية والمطلوبة في كل زمن من أجل الارتقاء بالإنسان بما يتناسب وتطور الزمن.

لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي سارت على هذا النهج فتخلّت عن أُسس أو مفاهيم وحتى علوم لم تعد مناسبة لحاضرها، هي ذاتها التي استندت فيه على أُسس وعلوم سالفة كانت حجر الأساس لها في انطلاقتها للمستقبل بعد تجارب عديدة وعلى كل المستويات، هي ذاتها الشعوب التي تعيش اليوم حالة من الاستقرار والرخاء في بعض الحالات، ذلك أنها لم تتشبّث بما لا يخدم أهدافها أو مصالحها وتطور أدواتها وإنسانيتها. بينما نجد في المقابل شعوباً ما زالت حتى اليوم مرتبطة وبعناد بما كان سائداً لدى الأجداد رغم كل التطور الحاصل اليوم، وهذا ما تعيشه بعض القبائل البدائية في بعض الجزر أو الأدغال النائية كقبيلة (الكورواي) في إحدى جزر أندونيسيا وكذلك قبيلة (السورما) الأثيوبية والتي تُعدُّ الأقلّ اتصالاً بالبشرية إضافة إلى بعض تلك القبائل التي تقطن الأمازون. غير أن هناك شعوب تعيش حالة تناقض مُدهشة ومُحيّرة ما بين الماضي والحاضر، حيث نجدها ظاهرياً وقد نفضت عنها عباءة الماضي في بعض اتجاهات حياتها كالمأكل والملبس واستخدام تقنيات الحداثة بمختلف أشكالها وبكل ما أوتيت من إمكانات مادية، في حين أنها مازالت ترتع في كهوف وخيم الأسلاف من حيث القيم والمفاهيم والتفكير وحتى بطريقة النظرة والتعامل مع الآخر المُختلف. إن هذا التناقض الصارخ يُؤسس بلا أدنى شك لإشكاليات مُعقّدة تُحبط أيّة محاولة للخروج من تلك الخيام والكهوف، ذلك أن التحضّر الظاهري لم ينعكس على نمطية التفكير، لا بل تمّ استخدام التقنيات فقط من أجل خدمة التمترس والتشبّث بالماضي التليد من وجهة نظر تلك الشعوب، وهذا ما بدا جليّاً واضحاً عبر تاريخ تلك الشعوب لاسيما منذ ستينيات القرن الماضي وفي مجريات الأحداث ابتداءً من أفغانستان وصولاً إلى بلداننا وشعوبها قاطبةً.

إن تلك الشعوب للأسف لم تقرأ ماضيها قراءة تُفضي إلى تطوّرها وتطوير ما تستند إليه في تشبّثها المعهود، ولم تستند إلى ما يمكن أن يدفع بها للأمام من ذاك الماضي العتيد، بل بقيت غارقة في قوقعة رموز وأساطير زادت من عزلتها وتخلّفها بقدر ما أبقتها على تشكيك وتخوين دائم وأزلي لما أنجزته أو تعيشه شعوب أخرى، والمفارقة الصارخة أنها تعيش على منجزات وابتكارات الشعوب التي تخوّنها. من هنا، وبسبب هذا التشبّث بماضٍ لم يُعطِنا مقوّمات التطور والعناد القاتل لفرض العيش في كنفه.. اسمحوا لنا أيها التراثيون المنغلقون أن نقول لكم وخاصّة بعدما وصلنا إليه اليوم ابتعدوا عن مجد خرج منه الأجداد لأنه قد لا يكون بالنسبة للحاضر مجداً، بل لنحاول جميعاً أن نصنع مستقبلنا الذي يليق بنا خشية السير عكس الزمن، فليس كل ماضٍ تليد.       

العدد 906 - 08/4/2020