أجساد للعرض تحت ضغط الحاجة

وعد حسون نصر: 

أجساد للعرض، نعم، إنه حال شبابنا من الجنسين تحت ضغط الظروف القاسية والوضع المعيشي السيئ والحاجة الماسّة إلى المال، من أجل أن يسير مركب الحياة بكل احتياجاته الأساسية. هنا حتماً يصبح الإنسان نظيراً لسلعة ما، ونتعامل معه على أنه جزء من العلامة التجارية الخاصة بهذه السلعة، مُستغلين عقدة الجنس الآخر، والمظهر الحسن من شكل ومفاتن جسدية، وهذا لا يقتصر فقط على الأنثى في عالم الإعلان والدعاية، إنما ينطبق على الجنسين معاً، بحيث يلجأ الكثير من أصحاب الإعلانات ومن لهم باع في مجال التسويق التجاري إلى التركيز في إعلاناتهم على عارض أو عارضة ممّن يمتلكون القوام الجميل والشكل الجذاب والإطلالة المثيرة، لتسويق منتجٍ ما بهدف دفع المشاهد لرؤية هذا الإعلان بأشكال مُثيرة. وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة تجوّل بعض الشبّان بلباس على شكل علبة سمنة أو حليب أو طماطم، وهذه من أبشع أنواع الاتجار بالإنسان عندما نجعل منه سلعة تتجوّل بالشارع تحت ضغط سلطة المال والحاجة الماسّة إليه من قبل شباب يسعى للعلم أو تأسيس مستقبله، مع ما في ذلك من غشٍّ للإنسان نفسه وعدم احترام إنسانيته. وهنا يصبح الإنسان نفسه وسيلة للربح وجزءاً لا يتجزأ من السلعة، وحرفاً مرتبطاً باسم العلامة التجارية. بالتالي لا يمكن أن نتغافل عن بشاعة استغلال أحد ليُكتب على ظهره، أو رأسه عبارات للإعلان عن منتج ما والتجوّل بين الناس في الأماكن المزدحمة، وطبعاً هذا منافٍ للأخلاق وبعيد كل البعد عن الإنسانية، لكن للأسف الحاجة، والضغط المادي، وصعوبة الظروف، جعلت من الفتيات سلعاً تُعرض متراقصة على الشاشة لترويج سلعة ما مع التركيز على المفاتن، وإحدى تلك الإعلانات كانت دعاية لعلامة تجارية باهظة الثمن وهي عبارة (عن حذاء نسائي) وقامت مجموعة من الفتيات بتمثيل شكل الحذاء على الرفوف من خلال تلوين أجسادهن بألوان الحذاء المتوفرة، وأخذ وضعية الحذاء.

كم هو بشع وقذر ومخلّ بالإنسانية هذا الفعل! كذلك الأمر بالنسبة للشباب الذين يرتدون لباساً على شكل شريحة جوال أو علبة طعام، وكم يؤذي هذا المنظر إنسانية الإنسان بتلويثه للبصر!

علينا أن ندرك جميعاً أن سلطان المال يفوق كل شيء، ليس فقط ضعاف النفوس بل المُحتاجين قبل الجميع، وخاصةً في زمن بات إيجاد عملٍ أمراً مستحيلاً، لذلك يصمت كثيرون عن جعله سلعة تتجوّل في الطرقات تحت ذريعة أن الوجه مخفي فلا خجل فيه، لأن الخجل يأتي من النظر، وهنا لابد أن الإنسانية سقطت لدى أصحاب العلامات التجارية لأنها باتت مُرتبطة بعدد النقود، ومقدار ما جناه التاجر، أمّا الشاب والفتاة، فحاجتهم دفنت شعور الإنسان لديهم، والشكل الرائع والجسد المفتون صنع منهم سلعة تمنحهم المال تحت ضغوط إكمال التعليم وإثبات الذات. لعلّ القادم مع العلم يُنسيهم تجوال القهر وبيع الروح!

العدد 921 - 29/07/2020