كفى إذلالاً… واستغباءً!

إيناس ونوس:

حين فكّرتُ بكتابة سطوري هذه، تاهت مني التَّعابير والكلمات.

أفكارٌ تخطر في البال بينما تسيطر عليها أخرى أقوى منها تمحوها مباشرةً. تعجز لغات العالم أجمعها عن وصف الغصَّة العالقة ما بين القلب المكسور والعقل الآيل للجنون.

حتى كل أصوات الموسيقا غدت صامتةً بلهاءَ أمام تلك الصَّرخة التي لا تزال مكبوتة في الأعماق خائفة من الخروج إلى العلن.

لا… ليست غصةً واحدة، ولا صرخةً واحدة!! إنها غصَّاتُ حناجر ملايين السُّوريين وصرخات جميع من بات لسان حالهم يقول وعلى الملأ (يا ما أحلى السنين الماضية!) إذ لم يعد الوضع المعاشي مقبولاً ولا بأي شكل، واستطاعة الإنسان السوري المعروف بصبره على مختلف الشَّدائد والمصائب باتت قاب قوسين أو أدنى من النَّفاد، إن لم تكن قد تجاوزتهما أيضاً، ولم يعد بمقدوره الحفاظ على صمته وصبره!! فماذا بعد كل هذا؟؟ ماذا بقي لنا لنخسره؟؟

لقد خسرنا كل شيء، ولا يزال تجّار الدَّم والموت يمارسون طقوسهم اليومية في اغتيالنا كل لحظةٍ، ليس دون أن ترفَّ جفونهم فقط، وإنما بالمزيد والمزيد من الاستغباء والاستهتار بكل من دفع غالياً ثمن ما حدث خلال السَّنوات الثَّماني الماضية، بكل من فكَّر للحظةٍ بالبقاء على هذه الأرض، وبكل من فكَّر بالرَّحيل، بكل من تشبَّث بالحياة رغم الموت المُحتَّم، وبكل من حلم بأن الغد أفضل، بل وبكل من قضوا نحبهم أيضاً.

أينما ولَّينا وجوهنا نجد اليأس والإحباط، نرى الوجوه العابسة التَّائهة، والعيون غير القادرة على التَّصريح بدموعها، والابتسامات المُصطنعة لزوم الاستمرار الإجباري بمهنة العيش.

ضحكوا علينا بزيادة الرواتب، وقبلنا بها مُرغمين رغم كل ارتفاع الأسعار ما قبل وما بعد. يختلقون في كل عام وبالتوقيت نفسه أزمات الغاز والمازت والكهرباء، ويجدون لها الحلول في التَّوقيت ذاته أيضاً، يبشِّروننا كل يوم بخبرٍ جديد، وبنفيٍ لما يحدث على أرض الواقع وكأننا لسنا من يعيش هذا الواقع، بينما هم في قصورهم قابعون بعيداً كل البعد عمّا يجري على الأرض، اللهم إلاّ من عمليات الإذلال المُستشري يوماً بعد يوم.. يكذبون وما علينا إلاّ التَّصديق، يحاربوننا حتى بأبسط مقومات الحياة، وكأننا من كُنّا سبباً فيما حدث من خرابٍ لحق بنا ولم يطلهم منه شيء، أو كأن بيننا وبينهم ثأرٌ قديم.. يغتالون أطفالنا أمام عيوننا ولا نملك القدرة على ردِّ الأذى عن فلذات أكبادنا، بينما ينعم أبناؤهم بما كان من المفترض أن يكون حقاً لأبنائنا.

لماذا؟ وماذا بعد؟ وكيف؟ ومتى؟ ومن أين؟

أسئلةٌ يوميةٌ مُصاحبةٌ لكل إنسانٍ منذ صباحه وعلى مدار يومه، حتى خلال شروده بكيفية تأمين يومه ومتطلبات أسرته، حتى لم يعد باليد حيلة، فضاقت الأرواح ذرعاً، وبدأت المناشدات والدَّعوات لمقاطعة الأسواق وتجَّارها، وها هي الصَّرخات تعلو من هنا وهناك لتُعلن قرب انفجارٍ وشيكٍ سيهدم ما تبقَّى… وبدأت الحناجر تهتف بأن: كفى!

كفى إذلالاً برغيف الخبز! كفى خنقاً بجرة غازٍ أو ليتر مازوت أو ساعتين من الكهرباء!

كفى حرقاً للقلوب المحروقة أصلاً!

كفى موتاً صامتاً لا يدري به إلاّ أصحابه!

وكفى استغباءً واستهتاراً بعقولنا!

نحن الذين نمتلك القدرة على جعل الحياة أجمل، ولدينا الرَّغبة بالحياة الكريمة، ومن تعيشون على لهاثنا وأجسادنا ولحمنا وأحلامنا وأماننا! ماذا تريدون أكثر من عشرين ساعة عملٍ في اليوم الواحد؟!

 

العدد 899 - 19/2/2020