واجِه مأساتك ببسالة!

مرح محمد نبيل السمكري: 

(عزيزي ثيو، إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يفعله العقل بنا؟ إنه يُفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة، كل الأشياء تغدو باردة وباهتة بعد أن يطأها الزمن، وكل الألوان القديمة لها بريق حزين في قلبي، شيئان فقط يحركان روحي، التحديق في الشمس، وفي الموت، أريد ان أسافر إلى النجوم وهذا البائس جسدي يعيقني، متى سنمضي نحن أبناء الأرض حاملين مناديلنا المدماة؟ ولكن إلى أين؟ إلى الحلم طبعاً، وداعاً يا ثيو، سأغادر نحو الربيع).

بعد خوضي في حياة فنسنت فان جوخ، صاحب رسالة الانتحار المكتوبة أعلاه، تمنيتُ لو رأيته مرة واحدة لأربت على كتفه، أو أُمسك بيده لنسير في حقول القمح التي كان يعشقها، تمنيتُ لو فجّرت حبّة من التوت البري على قميصه الأبيض ليشعر أن ثقباً ليلكياً انفتح في صدره ليتدفّق البياض، ربما كانت تفصيلة صغيرة ممّا سبق نهته عن الانتحار وأعادت بريق الألوان إلى عينيه.

ما الذي دفعه للانتحار؟ وما الذي يدفع كل أولئك الناس للانتحار؟ هل ماتت الألوان في عيونهم جميعاً؟ هل زهدوا بسيمفونية المطر، وهدهدة الحمام؟ هل تسلّل الملل إلى قلوبهم حتى من الصباحات الوردية المعبّقة برائحة الهيل والقهوة؟ هل خانتهم القصائد والألحان؟

كيف يزهدون بكل ما سبق؟ كيف يزهدون بحضن أمهاتهم، وبلحظات الرضا والوصول، وباحتمالات السعادات القادمة؟ أيُّ حزن هذا الذي سكنهم؟ المدهش هو إقدام شخصيات تاريخية شهيرة على الانتحار بالرغم من أنّنا نراها مثالاً للنجاح والتفوّق والجمال والثراء والسطوة، مثل مارلين مونرو، وجورج واشنطن آدمز، والأمير ألفريد (عضو في العائلة المالكة البريطانية 1899)، وداليدا، وزنوبيا ملكة تدمر وكليوبترا، والعالم ليوناردو دافينشي، وبيتهوفن، وأدولف هتلر.

يبدو أن مأساتهم كانت أكبر من الهالة التي كانت تُحيط بهم، ولكن هذا لا يُعتبر مسوّغاً للانتحار، فعلى الرغم من اختلاف المذاهب الفلسفية في تلك المسألة إلاّ أنه يعتبر حلاً دائماً لمشكلة مؤقّتة.

يحصد الانتحار سنوياً 800.000 حالة لأسباب تختلف باختلاف الأشخاص، وفي مجتمعنا السوري انتحر 59 شخصاً في السبعة أشهر الأولى من عام 2019، وكان من أبرزهم انتحار الطفلة ذات الـ 15 عاماً في منطقة جسر الرئيس بدمشق، بعد رحلة معاناة مع الفقر والتشرّد.

من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى انتحار المراهقين هي الصدمات العاطفية في المرتبة الأولى، ثم يليها التنمّر والتعنيف من الأهل، ثم الفشل الدراسي مثل الرسوب أو عدم تحصيل الفرع الذي كانوا يحلمون به أو الذي فُرِض عليهم من قِبل ذويهم.

أمّا من هم في سن ما فوق المراهقة فتختلف أسبابهم من أزمات عاطفية إلى أمراض جسدية، أو تعثّرات اقتصادية وما إلى ذلك، ويجتمع كل ما سبق تحت مُسمّى اليأس والاكتئاب، وادعاؤنا بأن الاكتئاب فترة يسيرة عابرة يُعتبر ضرباً من السفسطائية، فألم النفس لا يوازيه ألم، وهنا مربط الفرس، تعاطينا مع أنفسنا ومع الآخرين في حالات اليأس هي التي تصنع الفرق، فإمّا أن تخرج من حالتك تلك بسلام مُصطحباً معك دروساً استفدتها، وإمّا أن تُنهي حياتك التي تُعتبر أعظم نعمة أُرسِلت إليك.

يؤسفني القول إننا من الشعوب التي لا ترحم بعضها، تتباهى كيف تتواقح على من حولها، وتفتخر كيف تركت حزناً في قلوب الناس، تشعر وكأنك تشهد سباق من يستطيع كسر الآخر أكثر، مُتناسين أن كل هذا يتكدّس في القلب، إضافة إلى عقدة التعامل مع الاكتئاب، وعدم إقامة صلح مع الطبيب النفسي إلى الآن، أو كما يسميه البعض (دكتور المجانين) إلاّ أنه أكثر طبيب ينقذ حياة الآخرين.

المطبات لن تنتهي، والفشل والبؤس لن يندثر أبداً، لكن القوي من يستطيع التعامل معهم بكل بسالة.

العدد 899 - 19/2/2020