من مشـكلات الثقـافة عنـدنا

يونس صالح:

لم يتحقق حتى الآن على الصعيد العالمي توحيد مفهوم الثقافة بمعناها الشامل، وربما لن يتحقق هذا في الوقت القريب، أما على صعيد بلدنا والبلدان العربية الأخرى فمازال تحديد واضح للثقافة أمنية تعيش في قلوب بعض المثقفين، ولهذا فإن لها مجموعة كبيرة من التعريفات المتعددة، ومنها التعريف الشامل أو الواسع ومنها التعريف الضيق. وإن أمكن أن نختار تعريفاً عاماً ومبسطاً للثقافة من أجل إيضاح ما نريد قوله هنا، فإن الثقافة تعني لنا (الإنتاج الفكري المعاصر).

والموضوع الذي نريد نقاشه هنا هو ما هي المشكلات التي تواجه هذا الإنتاج الفكري المعاصر في بلادنا، والبلدان العربية الأخرى عموماً؟ وما هي الحلول التي يمكن طرحها للتخفيف من بعض هذه المشكلات والعقبات، أو إزالتها؟

 

لنبدأ بالمشكلات!

هناك مشكلات متعددة تواجه هذا الإنتاج في نظرنا تجعل الإفادة منه وتوزيعه وهضمه لدينا، في هذه المرحلة، محدودة جداً. عدا قيمة الإنتاج الفكري والثقافي بحد ذاتها، إذ تختلط المدارس وتتعقد إلى درجة يفقد معها هذا الإنتاج انتماءه إلى مجتمعنا المعاصر من جهة، ويهبط هذا الإنتاج بالثقافة إلى مستويات روتينية من جهة أخرى.

يتهم بعض المثقفين حتى الآن ثقافتنا المعاصرة بأنها ذاكرية، أي إنها نتيجة لإنتاج إبداعي خارج عن الوطن، كل مساهمتنا فيها هي النقل والترجمة والاقتباس، وفي أحيان كثيرة النقل الأعمى الذي لا يأخذ بحاجات الوطن ومشكلاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالحسبان، أو من جهة أخرى إلى منابع الثقافة العربية القديمة دون محاولة تحليلها ودمجها في واقعنا الراهن.

ومن طرف آخر نصر على أن تكون هذه الثقافة القديمة أو المنقولة للحفظ دون التمثل وفي قطاعات أخرى للمباهاة الاجتماعية.

إننا نفتقد في الأعم الأغلب في هذا العصر ثقافة إبداعية تأخذ من الواقع الاجتماعي – الاقتصادي الحديث أرضية لها من أجل الانطلاق للمساهمة في إيجاد حلول لمشكلات العصر التي تواجهنا، فالاجتهاد في القديم والإبداع في الواقع حتى الآن محصور في محاولات ضيقة لبعض المفكرين، الذين نجد أن إنتاجهم لهذه الأسباب من الطبيعي أن يكون محصوراً ومحارباً.

وإذا كانت حركة الفكر الحقيقية الإبداعية تبدأ بمراجعة المسلمات السائدة، كما حدث في كل الحركات الفكرية الأصلية، فيمكن القول وباطمئنان شبه أكيد أن ذلك لم يتحقق حتى الآن إلا في أضيق الحدود في ثقافتنا المعاصرة، لذا نجد أن الثقافة الذاكرية عندنا هي السائدة، وهي لا تنتج مثقفين حقيقيين. وتلحق معاهدنا التعليمية بذيل الثقافة الذاكرية السائدة، فنجد أن جيل معلمينا في الجامعات يجتهد لإخراج ثلاثة فرقاء فقط من طلابهم، فريق للنزوح للعمل في أي مكان يجدون فيه فرصة العمل، وفريق للبطالة، الحقيقية أو المقنعة، وفريق ثالث للبصم في أعمال روتينية لا تحتاج إلى وقت طويل كالذي قضوه على قاعدة التعليم. وينقص هذه الأطراف الثلاثة المحتوى الحقيقي للتعليم العالي كما يجب أن يكون في مجتمعات نامية كمجتمعنا يقع على جامعاته العبء الأكبر للتطور الاجتماعي. وإذا كان صحيحاً القول بأن جامعاتنا هي نتاج حقيقي لمجتمعنا، فإن القول الآخر صحيح أيضاً، وبالنسبة نفسها، وهو أن المطلوب من هذه الجامعات ومعلميها هو لعب دور فعال في توجيه المجتمع لا التبعية له.

وعلى الرغم من أن إحدى المشكلات الحقيقية التي تواجه الثقافة المعاصرة عندنا هي تعدد الرؤى الاجتماعية والاقتصادية واختلافها، كما أن وسائل الاتصال الحديثة (التلفزيون والإنترنت) عطلت على جماهيرنا الإفادة الحقيقة من وسائل الثقافة الاستراتيجية (الكتاب، المجلة، السينما)، واستعاضت عنها بالوسائل الثقافية التكتيكية، إلا أننا نرى عدم الجدية من جهة أخرى، فنجد أن مراكز البحوث عندنا تبدو وكأنها منتديات للعلاقات العامة أكثر منها مراكز للبحث الجاد، فإنتاجها يتجه إما إلى الاتجاه السلفي أو التقليدي دون إضافة وتجديد أو مساهمة هامشية في الإنتاج الثقافي العام الإبداعي.

وتواجه مراكز البحوث الجادة القليلة غياب التنوع والتماثل في اهتماماتها وإنتاجها، وبالتالي فإن التراكم المعرفي لديها له طابع كمي، أكثر ما هو نوعي.

وإذا نظرنا إلى أهداف وأعمال تلك المراكز وجدنا تداخلاً كبيراً بين أهداف وعمل تلك المراكز المتعددة حتى يصل في بعض الأوقات أن طرفاً منها ينافس الطرف الآخر، وتنفق الأموال على الموضوع نفسه من جهتين أو أكثر، والأطرف من ذلك أن روح المنافسة تلعب دورها أيضاً بما في ذلك من تحولها إلى مزاحمة على مصادر التمويل النادرة.

وإذا تحولنا إلى ساحة البلدان العربية،وخصوصاً النفطية منها، نرى أن البترول لم يلعب حتى الآن، إلا في أضيق الحدود، دوراً إيجابياً للمساهمة في نهضة الثقافة الجادة العربية، فمن حيث الكم، ما زالت الأموال التي تخصص لمراكز البحوث تأتي في نهاية الأولويات التي يعنى بها المخططون والمسؤولون في تلك الدول، كما أن المساهمة السريعة والسطحية في إصدار المجلات ذات الأوراق الصقيلة زادت من مشكلات الثقافة العربية بدل حل جزء من مشكلاتها، كما أن قضية الإنسان والحرية مازالت تراوح في مجمل البلدان العربية، فلا تجد الثقافة الأصيلة متنفساً لها كي تخرج إلى النور، ولا يقول المثقفون ما يريدون قوله في مسيرة التقدم الاجتماعي لوطنهم.

وبعد، مازال أمامنا الكثير من المشكلات التي تواجه ثقافتنا المعاصرة، وما طرح ما هو إلا جزء من تلك المشكلات لا أكثر، لأن الغوص في هذا الموضوع، وهو موضوع واسع ومتعدد يحتاج إلى مساهمة من هم أقدر في رصد مسار ثقافتنا المعاصرة على الأقل منذ بداية القرن الماضي. ولابد في هذا المجال من التعرض لمشكلة هامة وأساسية تقف حجر عثرة في مجال صعود ثقافة إنسانية جادة عندنا ذات الرصيد الضخم في المساهمة الحضارية والثقافية في السابق، فلا تزدهر ثقافة قائمة على الفكر إلا بوجود مناخ يتيح لها أن تتفتح بعيداً عن مقص الرقيب وقلمه الأحمر ذي الأفق الضيق.

فما نشهده اليوم من تغيرات عميقة في واقعنا يجعل العبء أثقل، والأحمال أكثر على كاهل المثقف عندنا، ودون جو من الحرية لا يمكن لأحد احتمال عواقب الكلمة، مما يجعل الرجل المثقف في وطننا، وبالتالي الثقافة الواعدة، في موقع مضطهد.

 

العدد 922 - 12/08/2020