النخب ما بين الواقع والطموح

د. سنان علي ديب:

نهر الثقافة والمعرفة غزير دفّاق لا ينضب، ومن ثمّ فالتجدد عنوان كبير يجب أن يروي ويزهر لتسمو القيم الإنسانية الحضارية وتشرق شمس دائمة الحرارة لتصيب بمنتجاتها البيئة الجمعية العالمية. ومهما حاولنا حصر المواضع المستهدفة سنكون عاجزين عن الإحاطة. والمنطقي أن تكون هذه النخب محرك العيش والارتقاء به لتأخذ الحيز الزماني والمكاني. فيشهد التاريخ أدواراً كانت هذه النخب قاطرة التجدد والمواءمة للسير نحو عالم أكثر عدالة وأكثر تحرراً من قيود ذاتية وموضوعية. ولكن التحولات العالمية والتغيرات المترافقة جعلت أغلب هذه النخب تجلس على تيجان عاجية لتضخ رفاهية و فوقية عكس الحاجات الإنسانية والمجتمعية، ولتنضوي في موقع المستسلم العاجز الراضي بظهور ورقي رملي آني غير قادر على مواجهة الحقائق وبعيد عن مطالب الإنسانية عامة ومجتمعاته وخصوصياتها، متناغمأ مع تصحر سعت وتسعى له القوى ما وراء الإنسانية العالمية منقادة بما سمي عولمة جففت الإنسانية وأطاحت بالحضارات والهوية، وكيف لا وأنا من عيّنت نخبوياً أملك أسلوب الحديث ولو بلغة لا يفهمها الأغلبية. الحداثوية وما بعدها منتوج فوقي لخدمة سيطرة المال ولخداعنا بجديد يخدم مصالحهم ويقوض تنميتنا، ولنقل الصراع التاريخي إلى أماكن مخرجاتها تدميرية ولن يكتب لها النجاح. وتنسى هذه النخب مكانة المثقف العضوي القارئ لمجتمعه بنيوياً والكاشف لأمراضه عبر تشخيص دقيق وليعطي العلاج تماشياً مع حاجة الشعب والبلد وضرورة الصراعات التي حرفت البصر عن القضايا الحقيقية. ما همي أن أمتع بصري بآلاف اللوحات وأن أشغل أحاسيسي بآلاف الروايات والقصائد وآلاف التحليلات الثقافية والاقتصادية وهي غريبة وتجعلني أشعر بالاغتراب عن همي وهم محيطي؟ وما الفائدة من فنون ونخب تبث الرفاهية في الدماء والجوع ونقصان الكرامة والكبرياء؟ ما فائدة كل هذا واللحظات تاريخية والتجميع والحشد الوطني حاجة ضرورية، فلكل زمن ضروراته؟!

التاج العاجي للنخب الممتلئة فكرياً أو للمسؤول الطاووسي عبء كبير وتضليل مدمر في زمن التحولات الوطنية.

ليس المهم أن أقول أنا موجود بمخرجات قد تكون عواقبها تفتيتي أو تدميري، فقد يكون الصمت أسلم وأقوم ولو أنه يوضع بخانة الانتهازية، ولكن صمت ساكن أفضل من فعل تضليلي تدميري.

لا يضر أن أعترف بجهلي أو عدم قدرتي على التشخيص بديلاً عن تشخيصات.

الإبداع ليس بتغيير الشكل ولا بالتمايز بالفكر وإنما بالمنتوج المتناغم مع وطنك وشعبك والإنسانية.

مهما حاول البعض التمويه والالتفاف وحرف الصراعات، القضية الاقتصادية والاجتماعية هي الأساس، ومهما حاول البعض حرف الصراع فالقضية الطبقية هي المعيار.

في المشاكل الكبرى الحاجة إلى الجهود الجمعية المجمعة هي الأهم وبها يظهر الأبطال المبدعون، وتسقط العروش التاجية.

إن كنت مثقفاً فهذه ميزة، ولكن أن تكون نخبوياً وطنيا فهذا تميز.

ومهما جرفت الأمركة أوساخها فتبقى قضايا العدالة الاجتماعية والسيادة والانتماء والمواطنة بوصلة.

الاختلاف بناء والتهميش والإقصاء غباء.

لنترك عاجيتنا ولنتعمق في قضايا وجودنا عبر وطننا ومواطنا وننسى جروحنا و ننطلق كأطباء دارسين معالجين.

 

العدد 922 - 12/08/2020