“جمرة الماء” لـطلال سالم الحديثي .. مقـاربـة ذوقية نقدية في منجز الشاعـر فائـز الحـداد

أحمد عساف:

يشكل العنوان في شتى الأجناس والدراسات الأدبية، عتبة دالة للولوج إلى عمق النص الإبداعي بين دفتي غلافين للكتاب.

في كتابه جمرة الماء، الصادر حديثا عن دار العرّاب، دمشق، 2018 – للناقد والأديب العراقي طلال سالم الحديثي، العنوان الرئيس (جمرة الماء) عنوان سريالي مشغول بعناية فائقة كحياكة قطعة دانتيلا، فيه الكثير من الدلالات التي لا تسلم مفاتيحها لقارئ كسول أو مترف. هو عنوان فيه من عناء لهفة الانتظار لصياغته الكثير من الجهد. على حين أنه في عنوانه الفرعي الثاني يقدم كمشة مفاتيح لقفل واحد.

– مقاربات ذوقية نقدية في منجز الشاعر فائز الحداد –  المفاتيح هنا أقصد هي دواوين الشاعر فائز الحداد، والقفل هو منجز الشاعر.

منذ البداية سأقول إن تصدي الناقد الحديثي لتجربة الشاعر الحداد، تجربة هامة وحتماً احتاجت من الحديثي الكثير من الجلد والكثير من البحث والغوص عميقاً في تجربة شعرية لافتة، لم تأخذ حقها كما يجب من الإعلام ومن النقد.

فائز الحداد شاعر نفسه، أعني نسيج وحده بين شعراء قصيدة النثر، نذر عمره للقصيدة، لا يكتبها إلا أن يعيشها، وحين يكتبها طوع نفسه يبتكر لها المفردة الشّعرية على الصيغة التي يحرص على أن تأتي معبّرة عما يريد، لايهمه أن تكون تقليدية متداولة أو جديدة ينحتها وفق ما ترتضيه ذائقته الشعرية، التي كثيراً ما تزوغ إلى الابتكار والنّحت والتركيب. فكأنه يؤسس بها لـ (معجمه الشعري) الذي كثيراً ما ينوّه عنه في ردوده من يتناول طريقته في الكتابة الشّعرية التي يرى أنها هي الحاملة لعنصر الإبداع في قصيدة الحاضر بشروطه التي يضعها هو لا بالشروط التي يتعارف عليها غيره. يتابع الحديثي قائلاً: (لن يكون سهلا أن تقرأ شعر فائز الحداد بذائقة (المعتاد) الذي تقرأ به غيره من الشعراء الذين يكتبون بمجانية الاعتياد. الجملة الشعرية في قصيدة فائز ذات شحنة إيحائية متوترة، تنأى عن اللفظة الشاحبة التي استهلكها التكرار التكرار، والشاعر عادةً ما (يبتكر) و(ينحت) و(يشكّل) في مفرداته، لتتضافر في بناء جملة شعرية تفاجئ قارئه، حتى وإن وجدها هذا (الأخير) مخالفة للنسق الشعري عند الشعراء الآخرين. ص 24.

هذا ما يقوله مؤلف هذا الكتاب الناقد الحديثي.

نحن هنا وفي هذا الكتاب تحديدا أمام تجربة نقدية حداثوية مختلفة تتكئ على أسس وقواعد معرفية ممنهجة تنحاز كثيراً للتدقيق في معنى المفردة، ومن ثم الذهاب إلى مكونات الجملة. بكثير من دراية العارف يقدم الناقد طلال الحديثي قراءة نقدية ذات أبعاد تنحاز للمنهج النقدي الحداثوي، الذي يذهب أكثر إلى أبعد من الحداثة، غير مستندا على مناهج رولان بارت ولا جاك دريدا ولا ميشيل فوكو ولا غيرهم، وهو وإن أراد يبين أن ثمة مقولات لأدونيس ولأحمد عبد المعطي حجازي أو غيرهما، فهو يفعل ذلك للاستئناس بمثل هذه الآراء لربما هي التي تكون مستأنسة.

استوقفني هذا الكتاب من حيث تصديه لعدة دواوين شعرية للشاعر فائز الحداد، في كتاب واحد. تناول فيه دواوين الشاعر: (القمر الغائب – قبعة الأفعى- لا هوية لباب – مدان في مدن – روزالين – غرانيق الماء – مرايا آدم). يلج العنوان، يستشهد، لا يستطرد، يميل إلى الانزياح اللغوي ساعياً ما استطاع إلى التكثيف كثيراً. وهنا تستوقفني مقولة جدي أبي تمام الطائي، الذي يقول: (اختيار المرء دليل عقله). هل عليّ هنا أن أشكر عقل الناقد الحديثي على هذا الاختيار الجميل؟ يتناول الناقد في هذا الكتاب كما أسلفنا المجموعات الشعرية للحداد، بكثير من الذائقة الطازجة التي لم تفسد بعد.  تناول كل مجموعة شعرية على حدة. يفسر العنوان من حيث مداليله ومداميكه وأبعاده ومابين السطور، على سبيل المثال (غرانيق الماء) هناك إيضاح ممنهج عن طيور الغرانيق. ص 59 – ثم يستشهد بمقاطع من تلك القصيدة:

(حين لا اعتبار …! يقاتلني دمي بعراقين وخرائط / سأدونك جرحي الأخير، حيث لا آية كوطن، ولاتاريخ كحبيبة / أعتذر عن فرس أكلت ظهرها، ووزعتني على الزرائب لاجئاً!)

ثم يتابع: (سأبقى أكره المارينز والغزاة والذباب، وأحب العراق وفلسطين، فأنا علامة استفهام على غيمة، وبصفري تتضاعف الأرقام)_ ص 79.

ديوان مرايا آدم: لعل السؤال الذي يمكن أن أصوغه هنا بداية للحديث عن هذا الديوان: هل يسعى الشاعر إلى تشكيل أفق إبداعي جديد في شعر الحداثة المعاصرة؟ وهذا سعي جاهد إذا صح هاجسي، ونصه الشعري هذا (مرايا آدم) هو هوامش سيرته . يقول الحداد: (آدم يا أبت / ذنبك أنجبتني بين سكين قابيل ودم هابيل ، فتناسل إخوتي في الذئاب)_ ص 86.

وعلى هذا المستوى من التوتر الإدراكي تتعاقب مضامين القصائد الصّادمة حتى بعناوينها مثل : العرّاب – الصّقر – إرهاب الخبز – وغيرها . على حين أننا سنقف أكثر قليلاً عند تجربة الشاعر الحداد في قصيدة العامود:

صبّت مفاتنها في كأس ناهدة

لما ارتشفنا تشظى الكأس في القبل

وخالط الراح جمر الشهد في شفة

لو أمطرت تغرق العشاق بالعسل (ص 96)

في الختام، سأقول نحن أمام كتاب على غاية من الأهمية بذل فيه الباحث والناقد الأديب طلال سلمان الحديثي تجربة الشاعر المتميز فائز الحداد .

 

* كتاب جمرة النار

* تأليف طلال سالم الحديثي

*111 صفحة من القطع المتوسط

* دار العرّاب

* دمشق 2018

 

العدد 899 - 19/2/2020