فضاءات ضيقة | العيد الذهبي لاتحاد الكتاب العرب

د. عاطف البطرس:

برعاية من السيد رئيس الجمهورية الدكتور بشار الأسد احتضنت مكتبة الأسد الوطنية في دمشق احتفالاً مهيباً بمناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيس اتحاد الكتاب العرب، حضرته شخصيات رسمية وشعبية ونقابية وضيوف أجانب وممثلين عن فروع الاتحاد من كافة المحافظات السورية، كما حضرته أعضاء مجلس الاتحاد والمكتب التنفيذي وهيئات تحرير المجلات والصحف الصادرة عن الاتحاد.

غصّت القاعة بحضور نوعي، وكانت الكلمات التي ألقيت موجزة مكثفة صادقة وموضوعية أشادت بالدور الذي لعبه الاتحاد في المجالات الوطني والقومي والإنساني.

جاءت كلمة ممثل راعي الاحتفال د.نجاح العطار نائب رئيس الجمهورية بمثابة دليل عمل في منهجيتها ووضوح الدلالة فيها كما عودتنا الدكتورة على بلاغة خطابها وعمقه، محددة مهام الاتحاد مكثفة أهم أهدافه.

أما كلمة رئيس الاتحاد مالك صقور فكانت بعيدة عن المباهاة أقرب ما تكون إلى المصداقية دون مبالغة أو تعظيم.

أهم ما ميّز الاحتفال هو الحضور الكثيف والدقة في التنظيم، مما شكّل شعوراً عاماً بالسعادة والبهجة التي بدت واضحة على وجوه الحضور كما عبّرت عنها الآراء التي قيلت حول الاحتفال.

الاحتفال ناجح يليق ببلد صمد في وجه أخطر التحديات وخاض حرباً متعددة الأشكال مختلفة الأهداف شارك فيها أكثر من 80 دولة مجندين فيها مجرمين محترفين وقوى ظلامية إرهابية ممولة من بعض الدول العربية التي استخدمت أدوات داخلية رخيصة.

مظاهر البهجة والفرح كانت واضحة، لكن الآلام والسنوات العجاف شكّلت خلفية لا يمكن إخفاؤها، هذا هو شعب سورية وهؤلاء هم مثقفوه وأدباؤه وكتّابه، إنهم يعرفون كيف يفرحون ويتقنون التعبير عن فرحتهم البادية على وجوههم والآلام والأحزان تملئ قلوبهم.

هذه هي سورية التي أجمع المتحدثون على قدرتها على الصمود في وجه المؤامرات ورد كيد المعتدين أيّاً كان شكل عدوانهم، دمشق التي رقصت على جراحها وغنت للحياة رغم أحزانها، تعلّم العالم اليوم كيف يمكن للشعوب أن تعيش حياتها اليومية وتحتفل وتفرح وتبتهج وهي تقاوم العدوان بكل ما تملك من بسالة وتحدٍ.

إنه يوم عيد بحق شعر فيه أعضاء اتحاد الكتاب بأهمية دورهم التعبويّ في تعزيز الانتماء إلى وطنهم والمحافظة على هويته وثقافته في وجه كل سياسات التنميط والإلغاء، وذلك بالانتقال من الانتماء للوطن إلى الانتماء للدولة، التي لا يمكن الحديث عن استقرار وتنمية وتطور دون وجودها، دولة قوية متينة موحدة الأرض متلاحمة النسيج الاجتماعي عصرية المؤسسات.

الاحتفالية عكست إرادة المواجهة وقدرة هذا الشعب على الانتصار وقوفاً خلف جيشه الباسل.

أكدّ هذا العيد على ضرورة الوحدة والتواصل بين الطليعة المثقفة وأبناء الشعب لأن المثقفين والأدباء يصوغون ضمير الأمة وهم لا يعيشون في بروج عاجية بل يشكلون عنصراً مكوناً يعيش أفراح وآلام شعبه.

في غمرة الاحتفال لا ننسى أن على الاتحاد النظر إلى تجربته الطويلة بعين نقدية متجاوزاً بعض النواقص في عمله، مذكراً بإنجازاته دون مبالغة، نظرة موضوعية تكبر العمل المؤسساتي بعيداً عن الفردية وتضخم الذات المرض المزمن الذي قد يتعرض له الأدباء والكتاب نظرة تبتعد عن عين الرضى وعليهم أيضاً أن يجعلوا من اتحادهم منظمة فكرية ثقافية أدبية.

إذا كانت قواتنا المسلحة قد شارفت تحقيق النصر على القوى الظلامية وقوى عصابات التكفيري وطهّرت تراب الوطن من دنسهم فإن أمام أدبائنا وكتابنا معركة لا تقل ضراوة عن المواجهة العسكرية، إنها معركة الثقافة والفكر وعلى أدبائنا وكتابنا خوضها وتحقيق الانتصار فيها حتى تتوازى وتتساوق الانتصارات وصولاً إلى وطن يتسع لكل أبنائه في دولة سيادة القانون وتساوي جميع المواطنين أمامه، دولة المواطنة التي تصبح الثقافة والأدب فيها حاجة ضرورية حياتية لكل مواطن.

العدد 899 - 19/2/2020