الحـكومات السورية والأزمة

بشار المنيّر:

هل فقدت الحكومة جميع أدوات التأثير على سوق القطع الأجنبي؟ ما العمل وتراجع الليرة السورية أصبح قفزياً أمام الدولار؟

وكيف يتدبر المواطن السوري تأمين حاجاته الأساسية، وخاصة الغذاء والدفء والدواء في ظل ارتفاعات متسارعة لسعر الدولار مقابل الليرة السورية فاجأت الجميع؟ كيف ستتدبر القطاعات المنتجة- التي نعدها أحد أركان إنهاض اقتصادنا- تأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار تسمح لها بتلبية الطلب، تنسجم مع القدرة الشرائية للمواطن الذي يفقد هذه القدرة مع كل ارتفاع لسعر الدولار؟

الأزمة الاقتصادية التي تمر بها سورية ، لا تعود لأسباب اقتصادية بحتة، وإن كان للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي اتبعتها الحكومات في العقد الماضي دوراً في استفحالها، فالمسألة هنا هي انعكاس الأزمة الوطنية  التي تحولت إلى حرب تقودها التنظيمات الإرهابية و(الجهاديين) على الاقتصاد الوطني، وتَدخل أطراف خارجية في تحويل هذه الأزمة السياسية إلى حرب شرسة ضد الدولة السورية، أخذت طابعاً إرهابياً سعى إلى تدمير قطاعات الإنتاج والبنية التحتية، وساعد في تصعيد حالة الركود الحصار الجائر الذي فرضه التحالف الدولي الخليجي بزعامة الإمبريالية الأمريكية،والذي أدى، إضافة إلى إزهاق أرواح المواطنين السوريين من مدنيين وعسكريين، إلى حالة ركود اقتصادي وتأزم اجتماعي لا تنفع معه وصفات اقتصادية إذا لم تترافق بحلول سياسية تؤسس لإعادة إنهاض الاقتصاد السوري وهياكله المنتجة.

ومع تأخر الحلول السياسية  التي تفتح الطريق أمام إعادة إنهاض الاقتصاد السوري، يبدو مما آلت إليه مفاعيل الأزمة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي (حرق المنشآت الاقتصادية.. سرقة الآلات.. توقف المصانع والمعامل والورش.. تفجير البنية التحتية..هجرة الصناعيين والمستثمرين ورجال الأعمال.. تعثر المصارف.. تراجع إيرادات الخزينة.. ارتفاع نسب الفقر والبطالة ..الخ) أن الحكومات المتعاقبة توقعت نهاية سريعة لما بات يعرف اليوم بـ(سنوات الجمر السورية)، وهذا القصور في الرؤية الحكومية لا يمكننا إرجاعه إلى أخطاء تكنيكية.. وظيفية، بل إلى عدم قراءة الأحداث السورية وفق المنظورين الداخلي والخارجي، واحتمال تعقد الأزمة أكثر فأكثر، وبالتالي استمرارها لمدة طويلة، من جهة، وإلى تقدير مبالغ فيه للإمكانات الذاتية في وضعها الراهن، وقدرتها على المقاومة والاستمرار من جهة ثانية. فهذه الحكومات لم تعطِ الاهتمام الكافي لمستلزمات الصمود الطويل الأمد، بل العكس تماماً، ففي تصريحات المسؤولين الحكوميين كانت واضحة النبرة التفاؤلية بقرب النهاية، بل راح بعض المسؤولين يضع التصورات الخاصة بإعادة الإعمار، وضرورة البدء باستيراد الآليات اللازمة لبدء المشاريع الكبرى، في الوقت الذي يؤكد فيه مسؤول آخر تراجع الإيرادات الحكومية.. وعجز الحكومة عن الاستمرار في سياسات الدعم للفئات الفقيرة، ثم جاءت القرارات (غير الشعبية) بتعويم أسعار المازوت وزيادة أسعار الخبز والغاز مثيرةً في نفوس المواطنين ألف سؤال وسؤال، عن سوء المعالجات الحكومية لحالة الأزمة، وغياب الخلية المسؤولة عن تكييف الاقتصاد السوري وفق متطلبات الصمود الطويل الأمد.

لذلك قلنا وما زلنا نقول: إن الحلول السياسية لأزمة البلاد، وإنهاء أزمة السوريين استناداً إلى توافقهم على التغيير السلمي باتجاه الديمقراطية.. والعلمانية.. والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، تُعدّ الطريق الآمن.. والممر الوحيد، لا من أجل مواجهة الإرهاب ووقف القتل والتدمير والتخريب فحسب، بل أيضاً لإعادة إنهاض الاقتصاد السوري، وإعادة قطاعاته المنتجة إلى العمل، ومن ثم وضع الخطط الحكومية لإعادة إعمار ما خربته مفاعيل الأزمة العاصفة.

 

ما العمل؟

لقد تقدمنا على صفحات (النور) باقتراحات عدة منذ بداية الأزمة، وتقدم غيرنا أيضاَ، وخاصة في لقاءات جمعية العلوم الاقتصادية مع المسؤولين الاقتصاديين والخبراء، لكن من صموا آذانهم واصلوا تجاهل هذه الاقتراحات، في الوقت الذي كانت فيه مؤشرات اقتصادنا الوطني تواصل تراجعها، ومعاناة جماهير الشعب السوري تزداد شدة وقساوة.

في الوضع الراهن.. وبعد التصريحات الحكومية المقصودة.. أم غير المقصودة، والتي تؤشر إلى عجز الحكومة عن الاستمرار في الدعم الاجتماعي.. وتراجع الإيرادات العامة.. وفقدان السيطرة على سوق القطع.. وعدم جدية التوجه نحو إنهاض.. ومساعدة الصناعيين والحرفيين في المناطق الآمنة.

نرى ضرورة التركيز على الإجراءات التالية:

1 – العمل بجدية وإخلاص لدعم المبادرات السلمية في الداخل والخارج لحل الأزمة السورية عبر الحلول السياسية، فتوافق السوريين وحده هو الذي يفتح الطريق أمام إنهاء المآسي التي أدمت السوريين وهدمت إنجازاتهم ، وهذا ما يمهد الطريق أمام إنهاض الاقتصاد السوري.

2 – وقف جميع أنشطة الحكومة.. وموازناتها المخصصة للقطاعات غير المنتجة.. والريعية.. والتي يمكن تأجيلها.. والتي لا تتناسب مع الأوضاع التي تمر بها البلاد.

3 – تخصيص موازنات القطاعات غير المنتجة، والإيرادات العامة المتوقعة حصراً لتأمين المساعدات الضرورية للقطاعات المنتجة وخاصة الصناعة والزراعة، وسد احتياجات الجماهير الشعبية من السلع الأساسية.

4 – إخضاع المصرف المركزي لرقابة الحكومة المباشرة، فالسياسات النقدية يجب أن تتماشى مع المعالجات الاقتصادية للأوضاع الراهنة.

5 – وقف استيراد جميع السلع باستثناء المواد الأساسية لمعيشة المواطن ومستلزمات الإنتاج.

6 – مكافحة الهدر الحكومي.. والبذخ.. والفساد، بجميع أشكالها وتجلياتها.

أما بقية القطاعات.. والمشاريع.. والمقترحات، الواردة في خطط الدولة، وبياناتها، وتصريحات مسؤوليها، فيمكنها الانتظار حتى اندحار الإرهاب.. وانتهاء الأزمة… وهذا باختصار شديد ما يطلق عليه: (اقتصاد الحرب.. اقتصاد الأزمات.. اقتصاد المجابهة.. الاقتصاد الداعم لمواجهة المتربصين بالوطن).

 

(*) عضو جمعية العلوم الاقتصادية في سورية.

العدد 922 - 12/08/2020