هدايا أمريكية من جيوب الآخرين!

د. صياح عزام: 

الموقف الأمريكي الجديد الذي عبّر عنه وزير الخارجية مايك بومبيو بشأن المستوطنات بأنها ليست مخالفة للقانون الدولي، ليس مفاجئاً، إذ دأبت إدارة الرئيس ترامب على اتباع سياسات واتخاذ إجراءات مخالفة للقوانين والمرجعيات الدولية، الأمر الذي يؤكد عدم صدقية هذه الإدارة المتصهينة أكثر من الصهاينة أنفسهم.

إن المواقف الشاذة وغير المسؤولة والعدوانية لهذه الإدارة، عملت منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض على الجمع بين صيف وشتاء، تحت سقف واحد، إن صح التعبير، وتعاملت مع القوانين والاتفاقات والأعراف الدولية وحتى مع قرارات مجلس الأمن بانتقائية لا تليق بدولة عظمى تدّعي عبر تاريخها أنها جامعة للديمقراطية وحريصة على نشرها في كل مكان، ومؤتمنة على الشرعية الدولية.

لقد ارتضت الولايات المتحدة إلحاق سياساتها ومواقفها بمواقف كيان الاحتلال الإسرائيلي وسياساته، ووضعت نفسها في خدمة اليمين الأشد تطرفاً فيه والذي لا يؤمن إلا بالإرهاب والتوسع ومعاداة السلام.

بالطبع، الإعلان الأمريكي الأخير على لسان وزير الخارجية بومبيو يشكّل هدية إضافية جديدة لرئيس حكومة كيان الاحتلال بينامين نتياهو، إلا أنها هدية مأخوذة من جيوب الشعب الفلسطيني.

ما هذا السخاء؟!

عندما يتم سلب الرازحين تحت ظلم الاحتلال حقوقهم في أرضهم ووطنهم، وإهداء هذه الأرض إلى كيان عدواني احتلالي، كيان غاصب ودخيل.

لماذا لم يمنح بومبيو ورئيسه للكيان الصهيوني أشياء تخصّهما؟ لماذا لم يمنحاه (أراضي أمريكية على سبيل المثال) مادامت نوبة الكرم تستحوذ عليهما إلى هذه الدرجة؟ إن هذه الهدية السخية ليست من ممتلكات أمريكا، هذا أولاً، وأنها منحت لمن لا يستحقها ثانياً، إنها عدوان فاضح وقرصنة ما بعدها قرصنة.

 لا شك بأن هذا الموقف الأمريكي سيسهم في زيادة وإحكام طوق العزلة الأمريكية عن بقية المجتمع الدولي، وهذا ما تجسد في اجتماعات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة والمواقف التي أعلنها الاتحاد الأوربي والتي استنكرت هذا الإعلان، وأدانته، حتى أن الفاتيكان الذي قلما يتدخل في السياسات ويتخذ مواقف بشأنها، إلا أن شذوذ الموقف الأمريكي ونشازه، حملا حاضرة الكاثوليك على الخروج عن المألوف والتذكير بالموقف الذي تتبناه، والقائم على حل الدولتين والتنديد بأي موقف يطعن بهذا الحل أو يحاول تجاوزه.

من خلال هذا الإعلان الأمريكي تجاه المستوطنات، تكون إدارة الرئيس ترامب قد وضعت نفسها في مثل هذا الموقف المعزول، وفي مواجهة بقية دول العالم كبيرها وصغيرها في القارات الست، وهذا الثمن المعنوي الباهظ تدفعه واشنطن من سمعتها ومكانتها ودورها، دعماً وإكراماً لشخص نتنياهو الذي تحيط به الشبهات القانونية من كل جانب والمهدد بين لحظة وأخرى بسوقه إلى زنزانة يقضي فيها بقية حياته.

أما محاولات (التذاكي) بالقول (إن مصير المستوطنات متروك للمفاوضات) بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فهي مبتذلة ومكشوفة، لأن المسؤولين الأمريكيين أنفسهم يعرفون أن التفاوض الإسرائيلي – الفلسطيني، هو تفاوض بين الذئب والحمل، مع العلم بأن الإدارات الأمريكية المتعاقبة دأبت وبكل وقاحة على إلقاء ثقلها وراء الذئب لدعمه وتشجيعه على سرقة ونهش حقوق الطرف الآخر والاستيلاء على أرضه، ثم شرعنة هذا الاستيلاء لاحقاً، وما يلفت النظر أن إدارة الرئيس ترامب تتخذ هذا الموقف الشاذ وغير المسؤول في الوقت الذي يواجه فيه الرئيس ترامب محاولات عزله في الكونغرس، ومع هذا يندفع ترامب إلى ارتكاب الخطايا (بل الجرائم) مثل شرعنة الاستيطان الصهيوني، بينما نتياهو يواجه اتهامات الفساد والرشوة وخيانة الأمانة.

أخيراً نحتم بالقول: إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يفهم دور وتأثير الطاقة النضالية العالية الكامنة في شعب فلسطين الأبي الذي يناضل ويقاتل ويقدم ويقدم كواكب ومواكب الشهداء والجرحى والأسرى منذ عشرات الأعوام من أجل الحرية والاستقلال واستعادة الأرض والحقوق.. شعب كهذا لا بد أنه منتصر في نهاية المطاف.

العدد 922 - 12/08/2020