الصين بعد سبعين عاماً؟

د.صياح عزام:

في الذّكرى السّبعين لانتصار الثّورة الصّينية التي صادف حلولها في الأول من شهر تشرين الأول لهذا العام، ومن بوابة (تيان إنمين) نفس المكان الذي أغلق منه ماوتسي تونغ في مثل هذا اليوم من عام 1949 قيام جمهورية الصّين الشّعبية، وقف الزّعيم الصّيني شي جين بينج مرتدياً البزة الماوية داكنة اللون، ليعلن في ذكرى انتصار الثورة الصينية أن (ما من قوة في العالم) لمكنها أن  تهز دعائم الأمة الصينية.

بالتأكيد الزعيم الصيني أراد بكلامه هذا أن يقوم للعالم أجمع: (إن الصين اليوم لم تعد (رجل آسيا المريض) ولست دولة تعيش على الشعارات، وليس بلداً يستجدي المساعدات والهِبات من هذا البلد أو ذاك، بل أصبحت قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية مهابة الجانب، وهي مازالت حتى الآن تستلهم إرث زعيمها ومفجر ثورتها ماوتسي تونغ).

ومن الملاحظ أنه قصد إرتداء الزّي الماوي ليشير إلى أنّ عملية التّحول الكبير التي شهدتها الصّين في السّنوات الأخيرة هي نتاج فكر ثوري متجدد بدأ مع الثورة وتواصل مع القادة الصينيين حتى الوقت الحاضر، كذلك أراد من خلال كلامه أن يُبرهن على قوة الصين التي لا يمكن لأحد أن يهزها – حسب تعبيره- من خلال أضخم عرض عسكري تشهده الصين شارك فيه خمسة عشر ألف جندي، ومئات الدبابات والصواريخ والطائرات الحربية.

مؤكداً أن ما أنجزته الصين في مختلف المجالات تحميه قوة ضخمة يحسب لها ألف حساب، وأراد أيضاً أن يؤكد بروز أمة عريقة حققت خلال سبعين عاماً نقلة بالغة الأهمية، بل هي أشبه بالمعجزة على مختلف الصّعد وفي كافة مجالات الحياة، ولاسيّما في المجال الاقتصادي، حيث باتت ثاني قوة اقتصادية على مستوى العالم بأسره، كما أنها تمضي قدماً في تحديث وتطوير ترسانتها العسكرية التي باتت تُثير قلق أعدائها وخصومها، كما أنها تقوم بإطلاق وتنفيذ مئات المشاريع الإنمائية والاقتصادية في مختلف بقاع العالم على غرار(حزام واحد، وطريق واحد) لربط الصين بمنظومة عابرة للقارات كأكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية.

وعندما يقول الزعيم الصيني شي جين بينج: (إن ما من قوة يمكنها أن تمنع الشعب الصيني والأمة الصينية من المضي قدماً) فهو يقصد المحاولات الأمريكية المستعمرة والتي بدأت تظهر جلية أمام أنظار العالم في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والهادفة إلى التأثير في مكانة الصين الاقتصادية وتقدمها التقني، وكبح جماحها من خلال الحرب التجارية التي تُشن عليها من قبل واشنطن، ومن خلال العقوبات التي تُفرض عليها وغير ذلك من الضغوط التي تُمارسها الإدارة الأمريكية ضدها.

لاشك بأن الزّعيم الصيني(شي) يدرك تمام الإدراك أن معركة بل معاركاً ضاربة تنتظر الصين مع الولايات المتحدة الأمريكية بهدف منعها من التوسع في مختلف الأسواق والاستثمارات والقارات في سياق صراع على النّفوذ اختلقته الإدارة الأمريكية على غير حق.

وفي هذا الإطار تحدثت الاستراتيجيات الأمريكية ولا تزال تتحدث عن ما تسميه (الخطر الصيني) وعن ضرورة مواجهته وكبحه باعتبار الصين(مصدر خطر متصاعد في المجالات العسكرية والاقتصادية)ولهذا، بدأت الولايات المتحدة بنقل ثقل اهتمامها من منطقة الشرق الأوسط، إلى شرق آسيا، بزعم أن الخطر المستقبلي الذي يهدد الأمريكيين(مصدره) الصين وروسيا الاتحادية وليس غيرهما.

باختصار، سبعون عاماً من الزمن جعلت الصين قوة عظمة تسعى لأخذ مكانها الطبيعي ودورها في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء وفي المشاركة في صياغة نظامه عالمي جديد بالتنسيق مع روسيا يكون بديلاً للعالم الأحادي الذي تريده الولايات المتحدة عالماً تنفرد فيه بالقرار الدولي بما يحقق مصالحها الخاصة وعلى حساب الآخرين.

العدد 882 - 16/10/2019