من أعلام اليسار الماركسي | أمينـة عـارف الجراح

زياد الملا:

عندما تكون الطفولة تمثُّلاً لما في البيئة الشعبية من أصالة، عندما يكون هوى الشباب نضالاً في سبيل عالم أفضل، عندما يكون النضج عطاء للأجيال، وعندما تكون صاحبة التجربة امرأة، فإن الأيام تكون غنية.

كتب عبد الرحمن منيف: بكثير من السرور استلمنا (أيامي كانت غنية)، إنه أول الغيث ولا بد أن يتلوه الكثير من الكنوز المخبوءة، ولا بد أن يتدفق الماضي مرة أخرى ليعاود الحياة من جديد.

ويروي نجاة قصّاب حسن (زوجها) عن أمينة عارف الجراح: ذات يوم والناس في فورة الغضب الموجّه بخبث، وما كادت ترى هول ما رأت حتى سمعت ما هو أشد هولاً: (التحريض على مهاجمة دارنا) وقد كانت طفلتنا فيها بنت ثلاثة شهور، وانطلقت تسابق الناس الراكضين إلى حيث الطفلة، فلما بلغت باب المنزل كان قد احتشد أمامه العشرات، وصاح في وجهها صائح: أنت زوجة هذا؟ دمه على كفي، بيدي هذه ذبحته! وكان جوابها أن أطبقت على عنقه بكفّيها.

وكتبت صفاء: توفيت أمي أمينة بعد صراع مع ألزهايمر لأكثر من عشر سنوات. افتقدناها قبل أن نفقدها، بكيناها بطيئاً لعشر سنوات وهي تنسلّ من حضننا يوماً بعد يوم، إلى أن رحلت بصمت.

صورتها كمناضلة وسيدة شديدة لم تفارقنا، واحتفظنا بها في أرواحنا أمّاً عظيمةً وتربويةً رائعة مولعة بالقراءة ومنفتحة على كل جديد.

أمينة، في زمنها، رائدة في مجال العمل السياسي، ويعود الفضل في ذلك كما ذكرت غير مرة إلى أستاذها نظيم الموصللي، الذي أيقظها على الأسباب التاريخية والاجتماعية للظلم الاجتماعي، مما خلق في داخلها ثورة على الظلم.

انتسبت أمينة عارف الجراح إلى الحزب في بداية عام ،1937 وكان قد سبقها (بدوية شمس الدين، وبهيجة بكداش، وفلك الطرزي، وفضّة حلال (أم سليمان) وأربع أو خمس رفيقات أخريات…) وقد أخلصت لمبادئه حتى النهاية رغم العواصف اللاحقة، وتأقلمت مع ظروف العمل السّري، ومما يذكر أن والدها المناضل ضد الاستعمار الفرنسي كان قد نُفي مع وطنيين آخرين إلى أرواد.

تعرضت أمينة عارف الجراح لملاحقات ومضايقات وسجن واعتقال، وكان زوجها نجاة صامداً في وجه كل شيء نظراً لموقعه الحزبي المهم والخطير في تلك الظروف.

مثّلت أمينة عارف الجراح رابطة النساء السوريات عام 1949 في مؤتمر نساء آسيا وإفريقيا في بكين، وكان لها هناك نشاط مميز.

التقت أمينة برفيق العمر: نجاة، في مكتب الحزب (في البحصة)، وتطور الأمر ولعب رشاد دوره، إذ تحمّس لذلك وكان القِران.

أنجبا ثلاث بنات: -سلمى، فنانة عازفة بيانو حائزة على الشهادة العليا من براغ.

-حنان، الحائزة على الدكتوراه في مادّتي المسرح والنقد، ولها إسهامات في التأليف، ولعل أهم إنجازاتها هو (قاموس المصطلحات المسرحية) بثلاث لغات هي الفرنسية والإنكليزية والعربية، وشاركتها في تأليفه د. ماري إلياس.

-صفاء، المربّية والكاتبة.

ومن آخر تصريحاتها: سأتعلم وسأستمر في التعلم، ولن يستطيع المرض أوغيره أن يبلدني، وظلت تتذكر ماقاله تشيخوف لغوركي عندما زاره في قريته:

(لو كان لدي نقود كثيرة لأقمت هنا مصحّاً للمدرسين الريفيين المرضى، ولشيّدت مبنى مضيئاً بنوافذ كبيرة وأسقف عالية، ولزودته بمكتبة رائعة وبمختلف الآلات الموسيقية، وبمنجل ومزرعة خضراوات وبستان فواكه، ولكان من الممكن تنظيم محاضرات في الزراعة والأرصاد، فالمدرس بحاجة إلى معرفة كل شيء وينبغي أن يكون فناناً ومصوراً، ومتيّماً بعمله، فالدولة من غير شعب مثقف ثقافة واسعة ستنهار مثل بيت مبني من آجر، لم يُحرق جيداً).

صدر لأمينة عارف الجراح كتابها الشهير (أيامي كانت غنيّة) عام ،1985 وكتابها الثاني (بعض مما في القلب) عام 1994.

 

العدد 886 - 13/11/2019